نصّاً أو دليلًا ما بيّن علّة الحكم ، بحيث استفدنا منه أنّ علّة هذا الحكم هي كذا وكذا ، فإنّ العرف قد يفهم - في كثير من هذه الحالات ، لا جميعها - أنّ النصّ يريد بيان الموقف الشرعي من كلّ موارد وجود هذه العلّة ، فلو قال بأنّ الخمر حرّمت لإسكارها فإنّ هذا بيان وإصدار لحكمٍ متعلّق بكلّ مسكر ، ومن ثم يمكن الحكم بحرمة كلّ مسكر هنا ؛ انطلاقاً من هذا البيان نفسه ، وهذا غير العلل الثبوتيّة التي قد نكتشفها دون دلالة تعميميّة في النصوص من هذا النوع ( أرجو التدقيق جيّداً ) .
وبهذا يظهر مجدّداً عجز نظريّة الاستصلاح ونظريّة المصلحة المطلقة والمرسلة عن الخروج باستنتاجات فقهيّة دائمة ، وهو ما ينفي أيضاً بشكل تلقائي نظريّة أمثال الشيخ عليدوست من كون حكم الحاكم القائم على المصلحة هو حكمٌ إلهي ، بل كلّ منهج استنباط قائم على الطريقة اللمّيّة ، وهي الانطلاق من علل الأحكام الثبوتيّة إلى الأحكام نفسها ، سيصبح عرضةً للسؤال والنقد هنا ، فلاحظ .
إنّ نظريّة المصالح المرسلة ستتعرّض هنا لضربة قويّة ؛ إذ لا يوجد نصّ ، وإنما اتّباع لمصالح يراها البشر حيث لا نصّ ، ومن ثمّ فمشروعيّة الذهاب نحو نظريّة الاستصلاح لا تعطي نسبة نتائج تطبيق هذه النظريّة إلى الشريعة إلا لو فرضنا شموليّة الشريعة مسبقاً ، وأنّه حيث تكون هناك مصلحة فإنّ هناك حكماً شرعيّاً إلهيّاً بالضرورة ، وحيث يكون ظنّ بالمصلحة يكون ظنّ بالحكم ، فانّ التجسير من الظنّ بالمصلحة إلى الظنّ بالحكم مبنيّ على أنّ لله في كلّ واقعة حكماً ، وإلا فربما تكون هناك مصلحة ولا يكون لله فيها حكم أصلًا ، ومن ثم لو أنكرنا نظريّة الشموليّة ، فإنّ نتائج الاستصلاح لن نتمكّن من نسبتها للشارع ، وسنضطرّ لنسبتها للمقنّن البشري وفق الصورة التي رسمناها نحن هنا .
وبهذا نستنتج أنّ الفقيه في المواقع التي لا نصّ فيها ولا بيان يتصل بها ، ولم يكن لديه علمٌ بدليل خارجي خاصّ بوجود أصل الحكم فيها ، لا يحقّ له الذهاب لتحديد هويّة الحكم بالقياس أو المصلحة المرسلة ، بل عليه الرجوع للفراغ وإعمال قواعد الاجتهاد في دائرة الفراغ ممّا شرحناه آنفاً ، وهذا ما سيحدّ - ولن ينهيها تماماً - من هذه النظريّات بوصفها نظريّات مُنتجة لأحكام شرعيّة دينيّة بالمعنى السائد ، ويفتحها بوصفها آليّات عمل في منطقة الفراغ بالعرض الذي قلناه نحن .
شمول الشريعة — صفحة 711
مساهمون: حيدر حب الله
ص٧١١