ولو لم يكن هناك نصّ أو دليل غير ذلك .
هذه الآليّة يمكن تصوّرها في إطار نظريّة الشمول القانوني المبنية على قاعدة تبعيّة الأحكام حصراً للمصالح والمفاسد في المتعلّقات ؛ لأنّ المفروض أنّ المشرّع سبحانه يشرّع تبعاً للمصالح والمفاسد ، وحيث إنّنا اكتشفنا هذه المصالح أو المفاسد في موردٍ ما فإنّ من الطبيعي أن نكتشف أنّ الله شرّع هنا حكماً على طبقها متناسباً معها ، فحتى لو لم ينطق هو بنفسه بشيء يمكننا أن نستنتج موقفه من هذه العمليّة التي تنطلق من معرفة علّة الحكم في مرحلة الثبوت ، وهي الملاك ، إلى الحكم نفسه في مرحلة الاعتبار ، بعد فرض لابديّة وجود حكم انطلاقاً من قانون الشمول .
ولكنّنا إذا نفينا نظريّة الشمول ، لم تعد هذه الآليّة التي يختارها جمعٌ من العلماء والفقهاء المسلمين ، قادرة على الجريان والإنفاذ ؛ لأنّه سيعود من الممكن أنّ الله يعرف بالملاك هنا وتوجد المصلحة ، ولكنّه لا يصدر حكماً أصلًا ، لسببٍ يراه هو ، وحيث إنّه غير متعهّد أو ملتزم بإصدار الأحكام في كلّ الموارد ، لم يعد يمكننا استنتاج أنّه أصدر حكماً هنا .
وهذا ما سيؤدّي إلى التأثير على مثل نظريّة تنقيح المناط القطعي فضلًا عن الظنّي ؛ فإنّ الكشف عن المناط الثبوتي لحكمٍ ما ، لا يعني أنّ هذا المناط نفسه سوف يُنتج حكماً آخر في موضعٍ آخر ولو كان موجوداً هناك ؛ لعدم إحراز التصدّي الإلهي ، ما لم نستكشف ذلك بدليلٍ إضافي .
وهذا كلّه يعقّد جداً تنشيط نظريّة اكتشاف الأحكام عبر اكتشاف الملاكات والتي باتت سمة الإصلاح الفقهي المعاصر ، كما يتعقّد بذلك نشاط نظريّة المقاصد ، وتقلّ إمكانات الاستناد إلى مثل هذه النظريّات .
وهذا بالضبط ما بيّناه في المحور الأوّل من الفصل الأوّل من هذا الكتاب ، من أنّ ما يفرض دخول مرحلة روح الحكم ( الملاك والإرادة ) هو وجود اعتقاد مسبق بشموليّة الشريعة ، ولهذا نعتبر أنّ إثبات إرادة الله كافٍ في إثبات الحكم الصادر ؛ لأنّه لا مجال لأن لا يكون له حكم في موضوعٍ من الموضوعات ، أمّا لو أنكرنا الشمول فإنّ مجرّد الإرادة غير المبرزة لا تساوي الشموليّة .
لكنّ هذا الكلام كلّه ، يجري في موارد علل الأحكام الثبوتيّة ( الملاكات ) لا الإثباتيّة ؛ فلو أنّ
شمول الشريعة — صفحة 710
مساهمون: حيدر حب الله
ص٧١٠