تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 709

مساهمون:

ص٧٠٩
العزيز أن يعيد النظر في أدلّة القياس لينتبه لما نقول . كما أرجو من الاجتهاد الإسلامي أن يعيد النظر في أدلّة القياس أيضاً من حيث كونها تصلح في كثير من مواردها لتكون دليلًا على نظريّتنا ، وليس على نظريّة القياس بمعنى الطريق الكاشف عن حكم الله تعالى ، خاصّة بعض موارد اجتهاد الرأي التي نقلوها ، دون أن أعني بذلك أنّ مفهوم القياس في القرن الثاني الهجري كان يطابق نظريّتنا ، بل بالعكس ؛ فإنّ هذا المفهوم مخالف لما نطرحه نحن ، لكنّ أدلّة نظريّة القياس التي عرفت منذ القرن الثاني الهجري ، ليست كلّها دالّة على القياس بذلك المفهوم ، بل بعضها دالٌّ على مشروعيّة سلوك سبيل اجتهاد الرأي في إدارة الأمور ، بعيداً عن نسبة نتائج هذا الاجتهاد إلى الشريعة ، فليلاحظ جيّداً ، ولهذا كانت بعض النزاعات الأولى في القرن الأوّل تدور حول مبرّر الذهاب نحو اجتهاد الرأي حيث يوجد نصّ ، فكان الفريق الرافض لاجتهاد الرأي يستند إلى وجود النصّ ، فلا ضرورة ولا مبّرر لاجتهاد الرأي حيث يوجد نصّ ؛ لأنّ الاجتهاد في مقابل النصّ غير مشروع ، وإنّما المشروع - وفقاً لتلك الأدلّة - هو الاجتهاد حيث لا نصّ ، ولا يعني الاجتهاد حيث لا نصّ نسبةَ نتائج هذا الاجتهاد للشريعة ، بل يعني تشريع القوانين التي فيها الصالح العام والمنسجمة مع المسار الديني أيضاً . وبهذا نحصل على النتيجة الآتية : لا يوجد في أدلّة القياس ما يفيد بوضوح أنّ القياس بنفسه دليلٌ على وجود الحكم في الواقعة ، بل غايته أنّه دليل على هويّة الحكم المعلوم وجوده فيها مسبقاً بدليلٍ آخر كقانون الشموليّة ، وبهذا نكتشف الخطأ التاريخي الذي وقع فيه الاجتهاد الشرعي الإسلامي تحت سطوة مثل فكرة الشموليّة وضرورة خلع صفة ( الدينيّة ) على كلّ القوانين .

2 - تأثير النظريّة على فقه المصلحة ( الاستنتاج اللمّي للحكم الشرعي )

عندما يعتقد الفقيه بأنّ الأحكام الشرعيّة تابعة للمصالح والمفاسد ، ثم ينكشف له بطريقةٍ أو بأخرى وجود الملاك الثبوتي - أي المصلحة أو المفسدة مثلًا - في موضعٍ معيّن ، فإنّه يستنتج أنّ الحكمَ موجودٌ هنا ؛ لأنّ المفروض أنّ الحكم تابعٌ لروحه التي تمثلها مرتبة الملاك والإرادة ، فإذا تمّ إحراز أنّ الملاك موجود ، وبتبع ذلك أحرزنا الإرادة ، فإنّنا نكتشف وجود الحكم في المورد ،
شمول الشريعة — صفحة 709 | حيدر حب الله