تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 708

مساهمون:

ص٧٠٨
فيها ، فهنا لا معنى لاستخدام مناهج الاجتهاد القياسي أو المصلحي أو غيره للوصول إلى حكم الله تعالى ؛ لأنّ القياس لا يُثبت لي وجود الحكم من دون قانون الشموليّة ، بل هو يعيّن لي هويّة الحكم بعد افتراض قانون الشموليّة مسبقاً في لاوعي الفقيه . وسبب ذهابنا نحو هذا الفهم أنّك لو راجعت أدلّة حجيّة القياس ، فستجدها تارةً قائمة عقلًا على وجود حكمٍ لله في جميع الوقائع ولا نبلغه بطريقٍ غير القياس فيكون القياس حجّةً ، وأخرى على الإجماع وممارسات الصحابة الكثيرة فيما سمّي باجتهاد الرأي ، بل بحديث معاذ بن جبل - وهو من أهمّ المستندات - والدالّ على ترخيص النبيّ له أن يجتهد برأيه عند فقدان دليل الكتاب والسنّة وأمثال ذلك ، عدا عن بعض الأدلّة الضعيفة التي لم يعد لها قيمة علميّة مؤخّراً ، مثل الاستناد إلى بعض الآيات القرآنيّة . ولو أعدنا النظر فيما هو العمدة من أدلّة القياس ، لوجدناها - كما لاحظنا - إمّا قائمة على شموليّة الشريعة صراحةً ، كما في مثل الدليل الأوّل المشار إليه آنفاً ، ومن ثم فسوف تنهار كليّتُها نتيجة انهيار دليل الشموليّة ، أو أنّها فهمت تجربة الصحابة وإجماع القرن الأوّل على أنّهما ضربٌ من القياس ، مع أنّ تجارب الصحابة التي ينقلونها كثيرٌ منها إمّا هو فهمٌ للنصّ وحيثيات إطلاقه وتعليلاته وإلغاء خصوصيّاته عرفاً ، ومن ثم فلم تخرج عن آليات فهم النصّ وتنوّع هذه الآليّات ، أو هو خروجٌ عن النصّ تماماً ، وإعمالٌ للرأي الشخصي فيما هو الصلاح ، ولهذا تجد أنّ خبر معاذ لا يفيد القياس ، بل يفيد ترخيص النبيّ لمعاذ بالاجتهاد الشخصي برأيه في منطقة الفراغ ؛ لأنّه يقول له بأنّك إذا لم تجد شيئاً في الكتاب والسنّة فاعمل برأيك ، وهذا ظاهرٌ في اللغة العربية - خاصّة في ذلك الوقت الذي لم يكن فيه مصطلح الرأي متضمّناً للقياس ، خلافاً لما صارت الحال عليه في القرن الثاني الهجري - بأنّه يعمل بما يبدو له صالحاً ومنسجماً مع الدين ، لا أنّ رأيه كاشفٌ عن الدين ، فهذا ما لم تُشر إليه الرواية إطلاقاً . وبهذا يتناسب خبر معاذ وأمثاله تماماً مع نظريّتنا ؛ فليس هناك دليلٌ واضح يفيد أنّه حيث كان هناك قياس كان هناك حكمٌ شرعي ، بحيث يكون القياس بنفسه دليلًا على وجود الحكم الشرعي ، بل العكس هو الصحيح ؛ فإنّ المفهوم من بعض الأدلّة أنّ القياس واجتهاد الرأي إمّا بُنيا على فرض الشموليّة مسبقاً ، أو أنّهما ليسا سوى نفس التقنين البشري في دائرة الفراغ بالطريقة التي قلناها نحن ، لا بطريقة الكشف عن حكم الله في الواقعة ، وأرجو من القارئ
شمول الشريعة — صفحة 708 | حيدر حب الله