هذا هو المعيار في آليّة العمل القانوني وفقاً لنظريّتنا ، ومن ثمّ فالسلطة المقنّنة البشريّة التي ننتصر لها هنا ليست مبسوطة اليد في وضع قوانين وفقاً لما تراه هي من مصالح بعيداً عن التمهيد المسبق الممكن اجتهاديّاً بهدف تحرير الموقف من الأحكام الشرعيّة الأوّليّة ، وإنّما يُسمح لها بممارسة فعل القانون في دوائر الفراغ الأوّلية أو دوائر التفريغ - إذا صحّ التعبير - وهي الدوائر التي يقوم فيها الحكم الثانوي بتفريغ الواقعة من الأحكام الأوّليّة .
نعم ، إذا قال شخصٌ بولاية الفقيه العامّة بحيث تكون لها القدرة بذاتها - بلا حاجةٍ لعنوان ثانوي - على الحدّ من جريان الأحكام الأوّلية ، انطلاقاً من مفهوم مطلق المصلحة ، فإنّ الأمر سيصبح أكثر يُسراً ووضوحاً ؛ لأنّ نفس دليل ولاية الفقيه سوف يتحوّل بذاته إلى معطى اجتهاديّ مقيّد لأدلّة الأحكام الأوّليّة ، فتدخّل ولي الأمر سوف يكون بذاته تفريغاً للموقف من الحكم الأوّلي . لكنّنا لا نتبنّى هذا النوع من ولاية الفقيه ، بل نشرط ولايته - في مواضع ثبوتها - بكونها خاضعة للمعايير الشرعيّة الأوليّة والثانويّة ، وفقاً لمثل ما طرحناه آنفاً .
وهكذا الحال لو كان المبرّر الثانوي هو نفس المواضعات البشريّة غير المحرّمة بذاتها شرعاً ، فإذا تواضع أفراد المجتمع - مثلًا - عبر العمليّة الديمقراطيّة السليمة على تفويض هذه المجموعة من الأفراد سلطة التدخّل تجاههم في الحدّ من حريّاتهم وسلطناتهم عندما ترى هذه المجموعة مصلحةً ، فهنا تكون نفس المواضعة توافقاً يحظى بدور ثانوي ، ومن ثمّ فنقطة بداية التقنين الذي يحدّ من الحريّات والسلطنات تشرع بعد تخلّي المواطن عن حقّه الأوّلي لصالح ما يراه المقنّن صلاحاً ، وهذا التخلّي مشروع شرعاً حسب الفرض .
وبهذا نفهم أنّ الخروج بقوانين بشريّة جديدة ليس تغييراً لحكم الله ، بل لا يوجد حكمٌ لله هنا غير أمثال العناوين الثانويّة والقواعد الدستوريّة ، التي لا يقوم التقنين البشري بتغييرها كما صار واضحاً ، بل يقوم بالاستجابة لها .
تأثيرات نظريّتنا على الاجتهاد الشرعي
هذه النظريّة التي توصّلنا إليها إذا اعتقد بها شخصٌ فسوف تتحوّل إلى معطى قبلي يحمله الفقيه وهو يلج غمار البحث الاجتهادي ، فبدل أن يدخل الفقيهُ الاجتهادَ في النصوص والمسائل والقضايا محمَّلًا بمصادرةٍ قبليّة وهي شموليّة الشريعة ، ها هو الآن يدخل خالياً من