تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 705

مساهمون:

ص٧٠٥
الثابتة في الشرع ، بجعل الموضوع فارغاً من الحكم التفصيلي . الخطوة الثانية : الشروع بسنّ القوانين البشريّة في دائرة الفراغ هذه . وهذا ما ألمحنا إليه في الفصول السابقة ، بمعنى أنّ خروج الفقيه عن الحكم الأوّلي يجب أن يكون بحكم ثانوي أو بتعبير أدقّ : بمبرّر شرعي اجتهادي ، لكنّ القوانين التي توضع لتستجيب للحالة الثانويّة وتضع حلًا لها لا يفرضها أو يعيّنها العنوان أو الحكم الثانوي ، بل تحتاج لنمطٍ آخر من التقنين ، فقضايا البيئة - على سبيل المثال - نخرج عن مبدأ الحلّية فيها بعنوان إلزاميّ عام أوّلي أو ثانوي كحرمة الضرر ( بأخذ المفهوم المجتمعي أيضاً للعناوين الثانويّة ) ، لكنّ القوانين التي توضع لتنظيم الوضع البيئي وتحقيق متطلّبات رفع الضرر ، لا يعيّنها العنوان المذكور ، بل هو صامتٌ تجاهها ولا يحكي عنها بذاتها لو بقينا نحن وإيّاه ، وإنّما يصوغها الإنسان بنفسه ، ليعمل الفقيهُ على دارسة القواعد التشريعيّة العامة من زاوية استدعائها أو ترجيحها أحد الخيارات القانونيّة المقترحة ؛ كونها الأوفق بروح الشريعة ومزاجها العام وقواعدها المتداخلة المتواشجة في الاجتماع البشري . وهذا كلّه يعني أنّ ممارسة التقنين البشري في مفروض تصوّرنا لا يكون إلا في ظرف عدم وجود حكم شرعي أوّلي ، وعدم وجود حكم شرعي ثانوي قادر على تقديم صيغة قانونيّة بذاته ، فلو كان هناك حكمٌ شرعي أوّلي فإنّ القانون البشري إمّا أن يؤكّده ويكرّره ، ومن ثم فلا حاجة له ؛ لمطابقته له ، وإمّا أن يعارضه ، والمفروض أنّ من شروط سلامة العمليّة القانونيّة - وفقاً لنظريّتنا - هو عدم معارضة الأحكام والقواعد الشرعيّة ، وأمّا لو لم يكن هناك حكم أوّلي ، بل كان هناك - مثلًا - حكم ثانوي ، فإذا كان الحكمُ الثانوي مستجيباً للواقعة بنفسه بلا حاجة للعقل الإنساني في تقديم صيغة قانونيّة ، فلا مجال للتقنين البشري ، وأمّا لو لم يكن الأمر كذلك - كما شرحنا مراراً في الفصول السابقة - فهنا يقوم الحكم الثانوي بتحريرنا مسبقاً من سلطان الأحكام الأوّلية ، ليعبّد الطريق أمامنا كي نستجيب لمتطلّباته برفع الضرر مثلًا ، عبر قيامنا نحن بسنّ قوانين بشريّة تصبّ في خدمة الهدف المذكور . وهذا ما يفرض أنّ ممارسة التقنين البشري وإلزام الناس بموجبات هذا التقنين لا يمكن فتح بابه على مصراعيه ، بل لابدّ من فرض خلوّ الواقعة من حكم أوّلي تماماً أو تغلّب حكم ثانوي على الحكم الأوّلي مسبقاً دون أن يتمكّن الثانوي من تقديم صيغ قانونيّة بذاته .