تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 704

مساهمون:

ص٧٠٤
أو تختفي .

النظريّة المختارة وإشكاليّة معارضة الأحكام والقواعد القانونيّة الأوّليّة

يواجه تصوّرنا هنا إشكاليّة مفترضة ، وهي أنّ هذه القوانين البشريّة المزعومة تعارض قواعد ومسلّمات وأحكاماً فقهيّة أوّليّة ثابتة في الشرع ، ومن ثمّ فعندما نشرط سلامة هذه القوانين ومشروعيّتها بكونها تتوالم مع الشرع ولا تعارضه ، فهذا معناه أنّنا نحكم عليها بالموت ونذهب بها نحو العقم ، فلن تتمكّن من إنتاج شيء بعد ذلك تقريباً . ولكي نوضح هذه الفكرة يمكن أن نقرّبها عبر مثال ، بصرف النظر عن طبيعة المثال ودقّته ، فالقوانين في مجملها تقريباً تحدّ من حريّات الناس في التصرّف بأموالهم ونفوسهم ، فعندما يقول القانون البشريُّ هذا بأنّ مالك البناء لا يمكنه أن يبني طابقاً علويّاً على بنائه إلا إذا أخذ إذناً من البلديّة ووزارة الداخليّة ، فهذا حدٌّ من حرّيته في التصرّف بأمواله ، وهو يخالف القانون الشرعي القائل بأنّ الناس مسلّطون على أموالهم ، وعندما نفرض على الناس دفع ضرائب جمركيّة لأجل استيراد البضائع من الخارج ، فهذا تصرّفٌ في أموالهم بغير رضا ، ولا يحلّ مال امرءٍ إلا عن طيب نفسه كما تقرّر القاعدة الشرعيّة ، وعندما نُلزم سائقي السيارات أو الشاحنات بالتنقّل في الطرق الممتدّة عبر البلاد في أوقات معيّنة أو بشكل معيّن فنحن نحدّ من حقّهم في المشتركات ، ونحن نعلم أنّ المشتركات حقّ عام لكلّ الناس ، بل الأنكى من ذلك أنّنا نفرض عليهم دفع ضريبة مخالَفَة قوانين السير بما ينافي تسلّطهم على أموالهم وعدم جواز أخذها منهم بغير رضا . وهكذا نجد أنّه في الكثير من موارد جريان نظريّتنا ، ثمّة موقف شرعي أوّلي معارض تقوم القوانين البشريّة هذه بالحدّ منه أو تقييده ، فممارسة التقنين البشري يعارض الشرع في كثير من الأحيان ، وهذا ما يستلزم إمّا التخلّي عن النظريّة كلّها تقريباً أو التنازل عن شرط عدم معارضة الشرع ، فضلًا عن شرط الموالمة . لكنّ هذه المشكلة التي تحدث في بعض مساحات تطبيق نظريّتنا يمكن حلّها بيُسر ، وذلك أنّه إذا ثبت أنّ هناك قانوناً شرعيّاً مستمدّاً من الأدلّة المحرزة وشبهها ، لا من مثل أصالة البراءة ، ففي هذه الحال نحن نواجه خطوتين ضروريّتين : الخطوة الأولى : الخروج - وفقاً لقواعد الاجتهاد المتعارفة - عن تحت سلطان القوانين الأوليّة