دلالاتها الحرفيّة بالطريقة السائدة ، فهو أكثر تفاعلًا مع ( منطقة الفراغ ) بمفهومنا الخاص لهذه الكلمة ، والعكس صحيح .
ج - وبهذا نعرف أنّ نظريّتنا تمتاز عن التاريخانيّة التي طرحتها بعض النظريّات هنا ؛ لأنّ الفهم التاريخي للنصوص ، ولو بمعنى انتهاء زمن بعض النصوص كليّاً ، هو شأن اجتهادي في النصّ نفسه ، فيما نظريّتنا تبدأ بنشاطها بعد فراغ الفقيه عن دلالة النصوص ولو زمانيّاً ، فعدم الشموليّة لا تعني عدم شمولية الشريعة لزماننا ، بل هذا بحث التاريخيّة ، وإنّما تعني أنّ أيَّ اجتهاد تصل أنت إليه في النصوص يخلق فراغاً في مساحة معيّنة من الوقائع ، فإنّ نظريّتنا تقول لك بأنّ هذه المساحة سوف يتمّ ملؤها عبر مرجعيّة العقل وقواعد الدستور معاً ، وحيث إنّنا لا نؤمن بالتاريخيّة المطلقة ، لهذا فمن الطبيعي - على رأينا - أن تكون الكثير من النصوص شاملةً لما بعد عصر النصّ ، لكنّ هذا الشمول لا يساوي - كما رأينا - تغطية جميع وقائع ما بعد عصر النصّ ، بل تغطية الوقائع التي يتكلّم عنها النص خاصّةً تغطيةً زمكانيّة ، فلاحظ جيّداً .
وبعبارة أخرى : مفروض نظريّتنا مبدأ أبديّة الشريعة في الجملة ، لا أنّ المراد منها أبديّة الشريعة ، أو فقل : إنّ إنكارنا الشموليّة ليس إنكاراً للتأبيد ؛ لأنّها ليست ناظرة للبعد الزماني ، بل إنكار للاستيعاب ؛ لأنّها ناظرة للبعد الوقائعي وللموضوعات ، وإن كان إنكار البعد الزماني هنا أو هناك يفضي عادةً إلى صيرورة الوقائع في زماننا خاليةً من الأحكام ، بما يفتح المجال لإعمال نظريّتنا .
من هنا أيضاً ، يظهر الفارق الجوهري بين القانون الوضعي والقانون الإسلاميّ ، فالمرجعيّات العامّة في القانون الوضعي لا تخضع للنصوص الدينية ، أمّا في القانون الإسلامي فهي تخضع أو تأتي من النصوص الدينية أو القواعد العقلائية المعلومة الإمضاء من النصوص الدينيّة ، فلا يتمكّن المقنّن المسلم من تجاهل الأطر الشرعيّة ( مفهوم الحدود ) ، كما لا يتمكّن من خرق الأحكام الأوّليّة الثابتة في الشرع على الموارد المتفرّقة إلا بعنوان ثانوي ، وهذا يعني أنّ الهويّة الدينيّة التي تحظى بها القوانين الآتية ضمن السياق الإسلامي تأتي من الموائمة التامّة - وأحياناً ليس فقط عدم المعارضة المباشرة - مع الأطر التشريعيّة العامة من جهة ، واحترام الأحكام الأوّلية والثانوية من جهة ثانية ، وعدم انطلاقها إلا في ظلّ غياب البديل الديني المباشر من جهة ثالثة ، دون أن يعني ذلك كلّه حصول شرخ بتعدّد مرجعيّة المقنّن بين العقل
شمول الشريعة — صفحة 695
مساهمون: حيدر حب الله
ص٦٩٥