تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 692

مساهمون:

ص٦٩٢
جانبٌ سلبيٌّ طارد ، بمعنى أنّ مخالفتها توجب إقصاء الصيغة القانونيّة التي تخالفها . وجانبٌ إيجابيٌّ جاذب ، بمعنى أنّ موافقتها توجب شرعيّة الصيغة القانونيّة التي توافقها ، ومن ثمّ فكلّ ما يفي بالغرض في حلّ المشكلة الواقعيّة القائمة ، ويكون أكثر توافقاً مع هذه القواعد وأقرب إليها ، يكون هو الراجح . وهذا الذي توصّلنا إليه ربما يمكنني أن أدّعي بأنّه هو واقع حال الفقه الإمامي منذ مطلع القرن العشرين على مستوى الاتجاه السياسي فيه ، فعمليّاً توصّل الفقه السياسي الإمامي إلى هذه النتيجة ، لكنّه لم يشأ - غالباً - أن يكون صريحاً وواضحاً في سلب صفة الحكم الديني ومنح صفة القانون البشري والتنازل عن فكرة الشمول التشريعي ؛ لاعتبارات ترجع لفضاءات كلاميّة ومرجعيّات نصيّة يؤول الفقه الإمامي إليها ، فيما كنّا نحن أوضح - بعد نقد الأدلّة الفوقيّة - في توصيف الموقف ، ومن ثم تغيير قواعد الاشتغال . بل يبدو لي أنّ الفقه السنّي كان أكثر وأسبق التقاطاً لهذه القضيّة ، لكنّه هو الآخر أصرّ على الحفاظ على الصفة الإلهيّة والدينيّة للحكم والقانون ، فلجأ إلى القياس وغيره ، وإن كنت أعتقد بأنّ الفقه السنّي يمكن أن تكون نظريّتنا أيسر له من الفقه الإمامي الذي ينطلق من نصوص حديثيّة كثيرة عن أهل البيت النبوي ، افتُرضت حجّةً في صدورها ودلالاتها ، كما رأينا في الفصل الأوّل من هذا الكتاب . بل ربما يمكنني ادّعاء أنّ النبيَّ وأهل البيت ، فيما سمّاه العلماء مؤخّراً بالأحكام الولائيّة الصادرة منهم ، ليس في حقيقته سوى ممارستهم لهذا الدور ، فهم حيث لا تشريع من الله بالتفصيل في موضوعٍ معيّن ، يقومون - بتفويضٍ من الله سبحانه لهم في عصرهم وتميّزهم بهذا التفويض عن غيرهم في زمانهم - بممارسة دور التقنين البشري في هدي الشريعة ، ويسنّون القوانين للناس ، ويقومون بتغييرها في بعض الأحيان عند تغيّر الظروف ، ولا ينسبون ذلك إلى الله ، بل إمّا إلى أنفسهم ( أرى لك أن تفعل كذا وكذا مثلًا ) أو تكون صيغة البيان فاقدة للنسبة ، فمن يتوصّل لنظريّتنا لن يكون من البعيد عنده أن تكون سنّة النبي وأهل البيت والصحابة قد قامت على ذلك ، وربما يكون هذا معنى من معاني الولاية التشريعيّة للنبي وأهل بيته « 1 » ، لا
هامش
( 1 ) النصوص المستدلّ بها عندهم على الولاية التشريعيّة لأهل البيت بعضها يتحمّل هذا المعنى دون بعض ، فراجع .
شمول الشريعة — صفحة 692 | حيدر حب الله