وضوحاً في حكاية هذه النصوص بشكل تفصيلي عن أحكام الوقائع كلّها ، بل تغطّي مساحة معتدّ بها ، وقد شرحنا سابقاً أنّ الكليّات لا تساوي وجود قوانين ، بل هي مبادئ لسنّ قوانين من قبل الإنسان ، فلا نعيد .
وأمّا إذا أردنا أخذ السبيل الثاني في مقاربة الموضوع ، وهو رصد الأصول العليا ( السبيل الاستنتاجي ) ، بمعنى أنّنا تجاهلنا النهج التتبّعي في دراسة الشريعة من حيث شموليّتها وعدمه ، وحاولنا أن نغوص بطريقة أيديولوجيّة في الموضوع ، فسنجد أمامنا مجموعةً من الأدلّة العقليّة والنصوص الدينيّة التي تمّ الاستناد إليها لإثبات شمول الشريعة لكلّ وقائع الحياة بما قد يُفهم منه الشمول التفصيلي .
ونحن بعد أن تتبّعنا بالتفصيل - في الفصل الأوّل من هذا الكتاب - هذه الأدلّة المستقاة من العقل والنقل والتاريخ ، وحدّدنا دلالاتها ومعطياتها ، توصّلنا إلى أنّها لا تقدّم شيئاً موثوقاً تماماً في فهم الشموليّة التفصيليّة ، بمعنى أنّها لا تثبت أنّ للشريعة في كلّ واقعة جواباً قانونيّاً يغنينا عن الرجوع لمرجعيّات تقنين أخرى .
من الشموليّة القانونيّة إلى الكلّيات الدستوريّة والقيميّة ، فهمٌ مختلف
من هنا ، وحيث لا يوجد دليل فوقي عام ، فليس أمامنا سوى العودة للاستقراء وملاحظة طبيعة فهمنا وخبرتنا في التعامل مع النصوص المتوفّرة . والذي نلاحظه أنّ التراث الديني في الكتاب والسنّة الصحيحة يقدّم لنا صورةً مركّبة من جزأين :
الجزء الأوّل : مجموعة القوانين التفصيليّة التي تعالج مساحةً جيّدة من حياة الإنسان .
الجزء الثاني : مجموعة القواعد الدستوريّة التي تتناول كليّاتٍ واسعة في حياة الإنسان .
ولتوضيح هذه النقطة ، يمكن أن نتحدّث عن نوعية خاصّة من الأطر القانونية العامّة أو القواعد التشريعيّة المرجعية ، التي تصلح مستنداً لسنّ قوانين متلائمة معها أو ناتجة عنها ، وهي تشكّل الدستور ، فتكون لدينا قواعد دستوريّة في الشريعة الإسلاميّة ، إلى جانب مساحة قانونية تفصيليّة جيّدة ، وهذه الكلّيات الدستوريّة تستوعب منظومة القيم التي يقدّمها النصّ الديني إلى جانب القواعد العامّة التي تحكم قوانينه .
وعليه ، فنحن هنا نقرّ بمرجعيّة الأصول الدستوريّة بوصفها قواعد تشريعيّة ثابتةً إلى جانب