تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 690

مساهمون:

ص٦٩٠
سلب صفة الشرعيّة - بالمعنى الديني المتداول - عن القوانين المنبثقة عنها ؛ لأنّ هذه القوانين ليست نتيجاً طبيعيّاً وذاتياً لهذا الدستور ، بل هي وليد الدستور من جهة والعقل الإنساني من جهة ثانية ، لكن تبقى النتائج مُلزمةً ، وتكون المحصّلة عدم وجود قاعدة الشمول التشريعيّ على مستوى التفاصيل ، خلافاً للنظرية السائدة مدرسيّاً ، مع الإقرار بالقواعد الكلّيّة الدستوريّة ، وبهذا نختلف أيضاً عن شمس الدين الذي تأرجح بين مفهوم فقدان النصوص ومفهوم فقدان الحكم ، فنحن لسنا أمام فقدان نصوص فحسب ، بل نحنُ أمام فقدان حكم أيضاً . والقواعد الدستوريّة في الشريعة الإسلاميّة كثيرة ، منها الأحكام الثانويّة وقاعدة حفظ النظام ، وحماية المجتمع الإسلامي ، والأخوّة الإسلامية ، ومبدأ حفظ الأسرة ، ومبدأ حماية الحياة الروحيّة ، وعشرات من القواعد الشرعيّة والأخلاقيّة الأخرى . وهذا كلّه يعني أنّه عندما يواجه الإنسان ظاهرةً لا يجد حكايةً لها في النصوص الدينيّة ، فإنّ عليه الرجوع إلى القواعد والأطر التشريعيّة العامة ، ليقوم بسنّ القانون الذي يراه بعقله منسجماً أو الأكثر انسجاماً مع هذه الروح الدستوريّة ، ويكون ما يصدر منه حينئذٍ ملزماً لا بوصفه نصّاً إلهيّاً محضاً ، بل بوصفه نتيجاً بشريّاً لما يتوالم مع النصوص الإلهيّة والدينية ، ويحقّق أهدافها ، ومعه فلا يكون حكماً أوّلياً ولا ثانوياً وفق التقسيم السائد ، بل حكم مستنبط من العقل والشرع معاً ، فأصوله شرعيّة لكنّ هويتَه ومكوّناته وآليّته عقليّة بشريّة . والخلاف الاجتهادي في هذا النوع من القضايا لن يعود في طبيعة الاحتكام لنصّ شرعي له إطلاق لفظي أو جملة في هذا الحديث أو ذاك ، بل في عرض الصيغ القانونيّة البشريّة على القواعد الدستوريّة والقيمية الدينيّة ؛ للنظر في أنّ أيّاً من هذه الصيغ والخيارات القانونيّة المطروحة لمعاجلة مشكلةٍ ما - مثل البيئة - أكثر تناسباً والتئاماً ووفاءً واستجابةً للقواعد الدستوريّة والروح القيمية الدينيّة ، وأبعد عن معارضة هذا كلّه . هذه النتيجة التي توصّلنا إليها في غاية الأهميّة ؛ لأنّها تفرض أربع خطوات ثقيلة : أ - التنظير العميق في القواعد والحدود الشرعيّة والأخلاقيّة نفسها ، وهو ما يستدعي تأصيلًا لفقه النظريّة بمعنى جديد ، فليس فقه النظريّة هنا هو فقه نظم شموليّة لكلّ التفاصيل ، بل هو فقه معالم وحدود واطر ، إنّه اجتهاد في الخطوط التشريعية العامّة والأولويّات الدينية