إنّ السبيل الذي نريد أن نتّبعه من خلال مطالعة الفقه الإسلامي هو في نهاية الأمر رصدٌ للفقه في فهومنا وقراءتنا للنصوص التي نزلت أو صدرت قبل أكثر من ألف عام ، ولكي تكون مطالعةً لواقع الشريعة ينبغي الغوص أعمق من هذا المقدار ، خاصّةً لو كانت منظومتنا الاستقرائيّة قائمة على حجيّة الظنّ .
الأمر الثاني : يجب التمييز في مطالعتنا لواقع الفقه الإسلامي بين معطيات هذا الفقه الناتجة عن الأدلّة والأمارات التي تحكي عن الحكم الشرعي ، وبين تلك المعطيات الناتجة عن إعمال الفقيه وتوظيفه للأصول العمليّة التي لا تتحدّث عن حكمٍ شرعي ، وإنّما عن الوظيفة عند فقدان العلم بالحكم الشرعيّ .
إنّ الأهم في مطالعتنا هو الأدلّة ؛ لأنّها التي تحكي عن الشريعة وبرنامجها للحياة لكي نستطيع من خلالها التنبؤ بدائرة الشريعة وفقاً للفقه ، أمّا الأصول العمليّة فهي لا تضع أمامنا موقف الشريعة ورؤيتها للأمور بقدر ما تساعد على إخراج المكلّف من مأزق الجهل الذي هو فيه . لكنّ هذا لا يبرّر تغييب الاجتهادات المبنيّة على الأصول تماماً ، بل سنرى أنّها قد تحضر أثناء مطالعتنا للفقه .
وهذا كلّه ، يعني أنّ رصدنا للفقه إنّما هو وسيلة لاكتشاف شموليّة الشريعة في إدارتها لوقائع الحياة ، لا لاكتشاف شموليّة نظام التنجيز والتعذير ، فلو اختفت النصوص تماماً تقريباً أو لم يبقَ منها إلا أدلّة الأصول العمليّة فلا يمكن من خلالها التنبّؤ بدائرة الشريعة ، وإن غطّت كلّ وقائع الحياة في تنجيزها وتعذيرها من حيث تغطية الأصول العمليّة لها ، وهذه قضيّة مهمّة في هذا السياق .
ووفقاً لما تقدّم ، نجد أنّ ما يحكي لنا عن واقع الشموليّة في الفقه الإسلامي هو النصوص الأولى ، ومن المؤكّد أنّ هذه النصوص البالغة عشرات الآلاف عند المسلمين تغطّي مساحةً كبيرة من حياة الإنسان - الفرد والجماعة - بحسب طبيعة الإطلاقات الموجودة فيها حيناً والصراحة في الشموليّة حيناً آخر ، بصرف النظر عن مسألة الفهم التاريخي ، وقد سبق أن ناقشنا دعوى الشيخ شبستري في استحالة التأبيد في القانون ، وقلنا بأنّها غير ثابتة على إطلاقها .
إلا أنّ المشكلة تكمن في تغيّرات الحياة اليوم ، وظهور مستجدّات حادثة وأنماط عيش مختلفة
هامش
القراءات المعاصرة والفقه الإسلامي : 313 .