تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 686

مساهمون:

ص٦٨٦
شاملة لمرافق الحياة كلّها ، وإلا صعُب عليه ذلك . السبيل الثاني : أن يترك الباحث واقع الفقه اليوم ، ولا يقارن بين الفقه وما بلغه القانون الوضعي من مساحات تقنينيّة ؛ بل يذهب إلى النصوص العليا مباشرةً ، ليرى فيها ما يؤكّد الشموليّة المدّعاة ، مثل آية :
( تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ )
ومجموعات النصوص الحديثيّة التي تؤكّد أنّ لكلّ واقعة حكماً ، وأنّ كلّ شيء موجود في الكتاب والسنّة . فإذا استطعنا عبر هذا السبيل إثبات الشموليّة كان به . والفرق بين السبيلين أنّ الأوّل يمكن أن يقوم به شخص غير معتقد بالفقه الإسلامي ومصادره التشريعيّة ؛ لأنّه يعتمد على مقارنة تحليليّة بين الفقه والواقع ، أو بين الفقه والقانون الوضعي ، وهذه المقارنة تحكي عن نفسها للجميع . أمّا السبيل الثاني فيختصّ بمن يعتقد بمرجعيّة مصادر الشريعة ، فيصدّق الرسول وأهل بيته وأصحابه ، وهذا يعني أنّ السبيل الأوّل غير أيديولوجي ، فيما يقوم الثاني على مصادرات أيديولوجيّة مسبقة ، مما يحيج السبيل الثاني - لو توصّل إلى الشموليّة - أن يقدّم تفسيراً لشكل الشمول ، بينما السبيل الأوّل يمكنه - لو أثبت الشموليّةَ - أن يكون بنفسه تفسيراً لها وتبريراً . ومن الطبيعي أنّه لو تمكّن باحثٌ من إثبات الشموليّة عبر منهج التقرّي الميداني ومنهج العقل الاستنتاجي معاً ، فإنّ موقفه سيكون في غاية الامتياز ، ومتخطّياً للكثير من المشاكل . وإذا أردنا أخذ السبيل الأوّل في مقاربة الموضوع ، وهو مطالعة واقع الفقه الإسلامي ( السبيل الاستقرائي ) ، فلابدّ من الانتباه إلى أنّ طبيعة الاجتهاد والمعطيات الميدانيّة في الفقه الإسلامي تفرض التمييز في أمرين : الأمر الأوّل : إنّه بناءً على القول بالتخطئة - كما هو الصحيح - يجب التمييز بين واقع الشريعة الإسلاميّة في علم الله تعالى أو ما صدر حقّاً في الكتاب والسنّة ، وبين فهوم الفقهاء واجتهادات المجتهدين بما تمثله من مرجعيّة لواقع الأحكام الشرعيّة اليوم ، فنحن نبحث في شمول الشريعة ، لا في شمول فقه المرجع الفلاني أو المدرسة الفقهية الفلانية ، بمعنى أنّنا نريد فهم الشريعة ، لا فَهْمَ فَهْمِ الآخرين لها . وهذا هو الخطأ الذي وقع فيه كثيرون عندما أرادوا مقاربة سعة الشريعة بسعة التجربة الفقهيّة عند علماء الشريعة أنفسهم ، مثل القرضاوي والشلفي وغيرهما « 1 » .
هامش
( 1 ) انظر - على سبيل المثال - : القرضاوي ، الدين والسياسة ، تأصيل وردّ شبهات : 55 ؛ والشلفي ،