النظريّة المختارة من شموليّة الشريعة إلى المساهمة الإنسانيّة في التقنين
تمهيد
يبدو أنّه لابدّ لكي يُدرَس موضوع شموليّة الشريعة وعلاقتها بالثابت والمتغيّر ومنطقة الفراغ ونحو ذلك من العناوين الشائكة اليوم في الاجتهاد الإسلامي . . لابدّ من مرحلتين :
المرحلة الأولى : دراسة أصل نظريّة الشمول التشريعي في الإسلام ، فأغلب الذين اشتغلوا على نظريّات من نوع منطقة الفراغ ودور وليّ الأمر وغير ذلك ممّا رصدناه في الفصل الثاني من هذا الكتاب ، افترضوا الشمول التشريعي أصلًا موضوعاً وأمراً مفروغاً منه ، وربما أشار بعضهم إليه ذاكراً إشارةً قرآنيّة هنا وبعض الروايات الحديثيّة هناك ومعطى عقليّ ثالثة لكنّ هذا كلّه كان بنحو المرور السريع والعابر . والأمر عينه وجدناه عند منكري الشمول التشريعي الذين تعرّضنا لنظريّاتهم في هذا الفصل ، حيث اخذ عدم الشمول أصلًا موضوعاً ، وغالباً ما قُدّم بوصفه أمراً واضحاً يحتاج فقط إلى تقريب إلى الأذهان للإحساس به .
هذه المرحلة من البحث نعتقد بأنّها الأهمّ وتحتاج لدراسة حقيقيّة ، وهو ما فعلناه في الفصل الأوّل من هذا الكتاب ، حيث رصدنا الأدلّة العقليّة والنقلية والتاريخيّة وحشدنا ما يمكن حشده من الأدلّة - ممّا طرحوه أو لم يطرحوه - لصالح الإثبات أو النفي ، ثم توصّلنا إلى أنّه لا يوجد أيّ دليل مستقلّ يُثبت لنا الشمول القانوني بالمعنى التفصيلي للكلمة ، بحيث يَسْتَبْعِد أيَّ مرجعيّة أخرى عن أن تلعب دوراً في التقنين في حياة البشر .
المرحلة الثانية : وهي مرحلة ما بعد تأصيل البناء التحتي ، ونحن هنا أمام حالتين :
أ - إثبات الشمول التشريعي ، وهنا تلاحقنا مسؤوليّة إضافيّة يواجهها أنصار نظريّة الشمول ، وهي تفسير الشمول التشريعي بعد افتراض ثبوته بما يكيّف هذه النظريّة مع واقع