وتشارك في صنع هويّة الأطراف الثلاثة ، بالمفهوم الوجودي الحديث للكلمة ، أو بالبعد النفساني للحقيقة ، كما تراه الوجوديّة المؤمنة .
هذا هو الفاصل بين إيمان الفيلسوف والمتكلّم وإيمان العارف والصوفي ، فإيمان الفيلسوف والمتكلّم هو تحويل الحقيقة الوجوديّة العميقة إلى مجرّد قضيّة خبريّة مستهْدَفة بالاستدلال ، بينما إيمان الصوفي والعارف يحافظ على الحقيقة الوجوديّة ( بمفهوم المدرسة الوجوديّة
Existentialism )
للإيمان ويحوّله لتجربة ، فأن تكون لديك معلومات عن لعبة كرة القدم شيء ، وأن تعيش هذه اللعبة بكلّ وجودك - كما يحصل مع عشاق هذه اللعبة ورجالاتها الكبار في ساحات الملاعب - شيء آخر . إنّ المعرفة لا تغيّر شيئاً في الهويّة الباطنيّة ، بينما الإحساس هذا يغيّر كثيراً ويقلب حياتك وروحك تماماً
( . . إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ )
( الأنفال : 24 ) ؛ فالإيمان بناء علاقة وليس تكوين معرفة ، كما كان يقول أمثال هانس بالتازار ( 1988 م ) .
ولابدّ أن أشير أخيراً إلى أنّ ما قلناه لا يعني أنّني أريد تقليص الدين أو تفسيره ( وجوديّاً ) فحسب ، بمعنى أنّني لا أريد أن أقدّم الدين على أنّه مجرّد تجربة روحيّة فرديّة ، حتى أحشره في زاوية ( الإنسان ) وابعده عن سائر الزوايا ؛ لكي يكون مرجع تلك هو العلم الحديث فقط ، كما بات حال مدارس لاهوتيّة كثيرة اليوم في الغرب ، نتيجة سياق تاريخي معقّد ، بل أعني أنّ نقطة الارتكاز - لا النقطة الوحيدة - هي التجربة الوجوديّة الإنسانيّة ، وسائر الأمور تأتي خادمةً لها أو معينة .
على المقلب الآخر ، لاحظنا كيف أنّ الحركة البروتستانتيّة التي انطلقت بميول فرديّة في الدين ، ظهرت مجدّداً منذ منتصف القرن التاسع عشر وإلى اليوم ، خاصّة في القارّة الأميركيّة ، ضمن ما عُرف بحركة الإنجيل الاجتماعي ، وهي الحركة التي تفهم عيسى المسيح بوصفه معنياً بالحالة الاجتماعيّة ، حتى أفرطت بعض توجّهاتها لتنسى الرسالة الدينيّة في البعد الأخروي وتركّزه على الخلاص الدنيوي . فنحن لا نريد إفراطيّات بعض الإنجيليّين الاجتماعيّين ولا إفراطيّات بعض اللاهوتيّين الوجوديين ، بل الوسط ضمن أولويّة واضحة للبعد الروحي ، فالجمع بين الإيمان الوجودي والرسالة الاجتماعيّة للدين في غاية الأهميّة ضمن أولويّة الإيمان وأسبقيّته .