الصحيح ؛ فالفقه مطالب بتوفير فضاء إيماني يجعل الإيمان خياراً متاحاً للإنسان ، في مقابل الفضاء الذي يجعل الإيمان محجوراً عليه أو منبوذاً أو مهمّشاً ، لا أن يفرض الفقهُ الإيمان على الناس فرضاً إلا إذا صارت القضايا الفقهيّة جزءاً من نسيج الوعي عندهم ، وهو ما يعني قبولهم بالشريعة حاكماً حدوثاً وبقاء ، تماماً كما هي حالة القبول بالقانون ، أيّ قانون .
إنّ هذا كلّه يجرّنا لإعادة النظر في مفهوم الإيمان والعمل ، فمن جهة تمّ تقليص مفهوم الإيمان ليكون مجرّد اعتقادات ذهنيّة محدّدة وغالباً ما تولد بطريقة غير واعية نتيجة فعل المحيط بالطفولة ، ومن جهة أخرى تمّ تقليص العمل بجعله مجرّد سلوك بدني مادي ، بحيث بدا الطرفان بمعزل عن بعضهما ، بينما المدى الأبعد للإثنين هو في صيرورة الإيمان تماساً حبيّاً وعلاقة روحيّة مع الله من جهة ، ينبثق منها العمل انبثاقاً اضطراريّاً ، فمحبّة الله تستدعي اتّباعه وأنبياءه ؛ وفي انطلاق العمل من حبس المادّيات وفعل الأبدان ليكون الدور النفسي جزءاً من العمل أو ملازماً له ، فليس المهم في الرسالة الدينيّة أن تعطي الفقير مالًا ، بل الأهم - مع ذلك - هو النيّة القابعة خلف الفعل ، ومع كامل الأسف فإنّ النيّة غابت عن كثير من الدراسات الدينيّة رغم كونها العنصر الأهم في العمل ، ولم يتناولها إلا الأخلاقيّون والعرفاء .
إنّ مجاهدة النفس في المفهوم الأخلاقي لا تعني قمع الهويّة الذاتيّة ، بل تعني الرغبة في صنع هويّة حقيقيّة بدل الهويّة الزائفة « 1 » ، فالمؤمن يدفعه حبّه وإيمانه - بالمعنى الروحي للكلمة - إلى الفرار من تبعيّة الخارج والملذّات ؛ لأنّه يشعر - كما كان يؤمن مؤسّس الوجوديّة المؤمنة سورين كيركجارد ( 1855 م ) - بأنّ الحِسّانيّة هذه تجعله مقهوراً للخارج ، فهو أسير اللذة وليس عاشقاً لها ، هو يفقد ذاته بها وتضمحل إرادته أمامها ، فهي تغرقه في الكثرة والتلاشي بينما التسليم لله يوجده في الوحدة والاندماج ويحقّق فيه الحريّة تجاه المحيط ، لهذا يحتاج الإنسان في الرؤية ( الوجوديّة ) إلى علاقة إيمانيّة تعطي هويّة ، وتُحدث تحوّلًا باطنيّاً ، تماماً كعلاقة الأب والأم بالطفل والعكس ، فهذه العلاقة ليست مجرّد معلومات أو قضايا ذهنيّة ، إنّها أبعد من ذلك
هامش
( 1 ) لمزيد اطّلاع ، أجد هنا مناسباً الطلب من القارئ العزيز أن يراجع ما سطرته يراع الدكتور طه عبد الرحمن ، في كتابيه : 1 - روح الدين ، من ضَيق العلمانية إلى سعة الائتمانيّة . 2 - دين الحياء ، من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني ، خاصّة الجزء الأوّل منه ، ص 129 - 138 . فإنّني وإن كنت لا أوافقه على كلّ ما قال ، لكنّه يضيء على أفكار أخلاقيّة مهمّة .