تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 681

مساهمون:

ص٦٨١
3 - بما تقدّم ، يتمكّن الدين من منح الحياة معناها ؛ لأنّها تصبح رحلة وجوديّة عميقة نحو نقطة البداية الحقيقيّة للإنسان الذي سيعود في المآل إلى الله
( . . وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )
( يس : 83 ) ،
( . . وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ )
( الشورى : 15 ) ، والمعنى هنا هو صيرورة كلّ الأشياء ذات مغزى ، وذات قدرة على إيصالي للهدف ، ولن يعود هناك شيء معيق نحو تحقيق هويّتي ؛ لأنّ هويّتي في أعماقي ، وليست في جسدي وقدراته على تحقيق شيء ، ولن يتمكّن أحد من سلبي هويّتي العميقة ؛ لأنّ الخيرات المادية تساوي المعضلات الماديّة عندي في أنّها ليست سوى وسائل وفرص لتحقيق الطاعة الحبيّة واختبار قدرة الذات على تحقيق ذاتها المترقّية ، قال تعالى :
( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ )
( الأنبياء : 35 ) . هذه الصورة هي وظيفة الدين اليوم ، ومسؤوليّةُ الجميع تحقيق انبعاث هذا الدين الذي يجعل السلوك الفقهي الشرعي تجلّياً للروح المعنويّة هذه ، وليس مفروضاً ، فنقطة خطأ المشروع الإسلامي هي في أن يتصوّر أنّ التغيير يكون بالمحيط عبر القهر ، في حين أنّ نقطة الارتكاز يجب أن تكون عبر النفوذ الروحي لإعادة تكوين الأفراد هويّتهم المعنويّة ، والقهر السلطاني ليس أسلمةً بل هو تنظيم يهدف مواجهة الظلم والفساد ، وهو في الوقت عينه محاولة صناعة بيئة حاضنة ضامنة ، والإسلام اهتمّ بالعناصر الوجوديّة ( بالمعنى الحديث للكلمة ) والعناصر المحيطيّة معاً ، فيما الأسلمة الحقيقيّة يُفترض أن تنبعث من الروح ، فالأنبياء كانوا يعيدون تكوين أصحابهم ويولدونهم ولادةً باطنيّة عميقة ، ولا يعيدون ضبط السلوكيّات الخارجيّة دون نفوذ إلى الأعماق ، ولهذا كانوا سلاطين الأرواح ، فهم لا يغيّرون الباطن بل يجعلون الإنسان يغيّر باطنه بإرادته . إنّ رحلة الأسلمة الحقيقيّة هي من الداخل إلى الخارج لتحقيق التوالم والمصالحة ، وليست من الخارج إلى الداخل ، ولهذا - ونتيجة مقاربة فقهيّة أيضاً - أجد أنّ النظريّات التي تميل في الفقه السياسي الإسلامي نحو عدم فرض المشروع الإسلامي إلا بعد اختيار الأمّة له حدوثاً وبقاءً ، أقرب إلى النصوص والمقاصد الدينيّة معاً من غيرها ؛ خاصّة وأنّ الإيمان الحقيقي - وليس الإسلام الظاهري الانتمائي للجماعة - يحتاج لوعي ، كي لا يُصبح الإنسان مستلباً مغرّراً به ومصادراً من حيث لا يشعر ، وهذا الوعي يحتاج لحريّة ثقافية وفكريّة . والفقه هدفه الحدّ من المفاسد الاجتماعيّة في علاقات الناس ببعضها ، وخلق فضاءات لهم كي يختاروا ما هو