تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ )
( التوبة : 24 ) .
إنّ هذا كلّه معناه أنّ الإنسان بات يشعر بأنّ تسليمه لله سبحانه - لا غير - هو في نفسه يحمل مصلحةً سلوكيّة ( بالمصطلح الأصولي للكلمة ، والذي يعني أنّ السلوك التسليمي نفسه يحمل مصلحة ، وليس ذات الفعل الذي يسلكه الإنسان ) ، تعطيه ترقّياً وتسامياً وجوديّاً ، وبهذا يصبح الإنسان في تسليمه الحبّي متحداً بالله سبحانه ، وليس تسليمه تسليم متمرّدٍ مقهور ، إنّه تسليم طاعةِ عاشقٍ ، إنّه بذاته انتماء واكتساب لهويّة - وبحسب التعبير المتناقل عن بعض الوجوديّين : ( الحبّ هو أن تنتمي للآخر لا أن تملكه ) - وليس تسليم مقهور مغلوبٍ على أمره منفصم في شخصيّته ، كما قال سبحانه :
( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً )
( النساء : 65 ) ، وكما جاء في الحديث عن الإمام علي بن أبي طالب ، أنّه قال : إلهي كفى لي عزاً أن أكون لك عبداً ، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربّاً . . « 1 » . إنّ الإيمان ليس اعتقاداً ذهنيّاً بل هو فعل روحي ، إنّه تسليم لا ينفصل فيه الجسد المطيع عن النفس ، فالنفس وهي تسلّم لا تجد حرجاً في أعماقها بل هي منسجمة تماماً ، إنّه تسليم يجد الإنسان فيه ذاته ، فيفتخر ويشعر بالعزّة ، ولا يفقدها ، لكنّه يجدها واعياً لها لا واهماً ، بل بهذه الوحدة مع الله المنبثقة من التسليم الحقيقي يولد الإنسان ولادةً جديدة إلهيّة ، تسمح له بأن يكون مهيمناً على الأشياء المحيطة ، فهو زاهد فيها زهد المستغني ، سواء امتلكها ملكيّة الغنيّ ، أو فقدها فقدان الفقير ، وبهذا تصبح المصائب محبوبة أكثر من اللذائذ ، وليست قاهرةً للعبد ، قال تعالى :
( قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ )
( يوسف : 33 ) .
وبهذا يتحرّر الإنسان أيضاً من الخوف والقلق الدائمَين القابعين في أعماقه حتى وهو يملك ملذّات الدنيا كلّها ، خوف من المستقبل ومن المتغيّر ، وتحلّ الطمأنينة القائمة على تجلّي جمال الله في قلبه وما يحيط به ، وهو يعيش حسنَ الظنّ بالله ، قال تعالى :
( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ )
( الرعد : 28 ) .
هامش
( 1 ) الخصال : 420 .