متحد ، وبهذا يتلاشى وينتهي ؛ لأنّه يحقّق الهويّة التي يراها الآخرون فيه ، فكأنّ الإنسان يعايش ذاتاً غريبة عنه هي التي ينحتها الآخر له ، فلا يبدو منسجماً مع ذاته ولا متوالماً أو متصالحاً معها ، بل ذاته مصادرة تماماً .
وثمّة الكثير من القراءات حول كون الاغتراب قدراً يواجه الإنسان ، أو هو أمر قابل للمواجهة ، كما وثمّة الكثير من المواقف في أنّ العصر الحديث هل عزّز اغتراب الإنسان أو أنقصه ؟ لكنّ الشيء المؤكّد أنّ حياة الإنسان المعاصر بدأت تشعر بالكثير من الضغط تجاه قضيّة الاغتراب ، واتجه الإنسان - خاصّة عند الوجوديّين - لكي يحقّق ذاته بذاته ، وينهي الانفصام الذي يعيشه ، وبلغ مستويات متطرّفة جداً عندهم ، مثل قضيّة الجنوسة والنوع الاجتماعي (
Gender )
التي تحوّلت اليوم مع القوى الليبرالية إلى قانون في كندا .
في ظلّ هذا المشهد ، قد يبدو الفقه الإسلامي مكرّساً حالة الاغتراب هذه ، ومضاعفاً من أوجاع إنسان العصر الحديث ، تماماً كما كان يصف هيجل الاغتراب الذي تُحدثه الشريعة اليهوديّة ؛ لأنّه يوجّه الإنسان من الخارج ويفرض عليه أنماطه ، فلا يتجه الإنسان لكي يكون ما يحبّ أو يقتنع ، بل يتجه لكي يكون كما يريد الآخر له دون حتى أن يفهم كيف ، وبأيّ طريقة ، فهو يسير آملًا تحقيق ذاتاً ما بإرادة غيره .
إنّ اعتماد بناء الإنسان والمجتمعات على النظام المحيط ( من نوع الدولة الدينيّة - التقليد بمفهومه الشرعي ) يوقع هذا الانفصام ، وعندما يكون الفقه أسراريّاً فإنّ هذا الانفصام يصبح أكبر ، فعلى سبيل المثال يطرح الأصوليّون المسلمون فكرة عدم وجوب الموافقة الالتزاميّة ، وهذا يعني أنّ المكلّف يجب عليه أن يقوم بالفعل حتى لو لم يجب عليه أن يقتنع بالفتوى ، إنّ هذا المفهوم يشظّي الإنسان ؛ لأنّه يجعله يمارس سلوكاً لا يحسّ بكونه يحقّق ذاته .
أعتقد أنّ شبستري وغيره استهدفوا مواجهة ظاهرة من هذا النوع ، لهذا كان التركيز عنده على مفهوم الإيمان والحريّة ؛ لأنّ هذه الثنائيّة هي التي تخلق الهويّة بالمفهوم الوجودي للكلمة ، خاصّةً الحريّة عند مثل منظّر الوجوديّة الملحدة جان بول سارتر ( 1980 م ) ، وسؤالي هنا : هل يمكن للدين اليوم أن يساعد على رتق الفتق وردم الهوّة وتخفيف الاغتراب دون أن يضحّي بالفقه والقانون الشرعيّين ، مع قناعتي بأنّ الخروج من كلّ أشكال الاغتراب تماماً أمر غير مقدور للإنسان في هذه الدنيا إلا من رحم الله ؟ هل يمكن لنا أن نقدّم حلًا ممكناً بعد أن اعتبرنا