تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 677

مساهمون:

ص٦٧٧
بأنّ الأسئلة القلقة التي قدّمها شبستري ، ومعه الكثير من المفكّرين النهضويّين والنقديّين في العالم الإسلامي اليوم ، هي أسئلة مشروعة تمثل تحدّيات كبرى للفكر الديني عامّة والاجتهاد الشرعي خاصّة ، من نوع الحريّة والعنف وزوال المعنويّة والتصادم مع العصر وغير ذلك ، وأعني بذلك أنّ الفكر الديني بحاجة اليوم لإعادة التوالم بين الإنسان وذاته . ماذا أعني بالمصالحة والتوالم ؟ أعني الخروج من الاغتراب ، بمفهومه الحديث ، فنحن نعرف أنّ هيجل ( 1831 م ) ربما يكون أوّل فيلسوف في العصر الحديث استخدم مفهوم الاغتراب بما يتضمّنه من انعزال وانفصال (
Alienation Estrangement )
، ويعني عصنده تضييع الإنسان لشخصيّته الأولى ، وقد طرح هيجل هذا المفهوم في سياق سعيه للخروج من الكثرة إلى الوحدة ، ضمن منظومته الفكريّة التي تنتمي للمثالية الألمانيّة ، ثمّ جاء كارل ماركس ( 1883 م ) ليطبّق هذا المفهوم في سياقه الاجتماعي - الاقتصادي ، عندما اعتبر أنّ استغلال الطبقة العاملة من قبل الرأسماليّة يجعل العامل في نوع من الاستلاب والاغتراب ؛ لأنّه يعمل لتحقيق غايات غيره ، فيفقد بذلك ذاته ويصبح وجوداً هشّاً « 1 » . بهذا يكون الاغتراب نوعاً من الشعور أو الكينونة التي تُعجز الإنسان عن التأثير وتجعله غير قادر ، وهو ما أدّى إلى اهتمام علم الاجتماع والنفس والأدب والمدرسة الوجوديّة في الفلسفة بهذا المفهوم ، ومقاربته كلٌّ من زاويته . القضيّة هنا تكمن في أنّ الإنسان ( الفرد أو الجماعة ) عندما يغترب فهو يقوم بممارسة سلوك أو الإحساس بوضع يبدو فيه أنّه غير منسجم ، فهو يفعل ما يريده الآخرون وهو يكوّن هويّته - بالمفهوم الوجودي - التي يريدها الآخرون ، فهو متشظٍّ غير منسجم في ذاته ، وهو متكثر غير
هامش
( 1 ) لا نريد أن نخوض حواراً هنا ، ونحن نعرف أنّ نتائج سعي ماركس لمحو اغتراب الإنسان ومصادرته بفعل التحوّلات الاقتصاديّة التي أعقبت الإقطاعية في الغرب منذ أواخر ما يسمّى بالقرون الوسطى ، وجاءت بالبرجوازيّة التي هيمنت على كلّ شيء . . من نتائج سعي ماركس ما رأيناه في القرن العشرين من الاستبداد والدمويّة ومصادرة البشر عبر التجربة الماركسيّة ، سواء أرادها هو أم لم يردها ، فماركس الذي أراد رفع مصادرة الطبقة العاملة واغترابها صادر هذه المرّة عبر فكره كلّ الطبقات ، وقمع حريّة الإنسان إلى أبعد الحدود ، ولم يجرّ - مع الأسف - إلا إلى الشموليّة المطلقة ، ولعلّ ماركس لو عاصر نتائج طروحاته وجيل تلامذته ، لربما فكّر في حلول أخرى أو في تعديلات .