يساوق ثبات التكوين ، ومن ثمّ ثبات التشريع ، فعلى مثل الطباطبائي أن يُثبت ثبات التكوين ، ليُثبت ثبات التشريع بتبعيّته للتكوين ، وبهذا نعرف أنّ شبستري تهافت في مقاربته لعرض نظريته ، فإنّ تغيّر التكوين لا يلغي تبعيّة التشريع له ، وفي الوقت عينه عدم ثباته .
ب - إنّ المتغيّر التكويني الدارويني يصعب علينا البناء عليه هنا في مقاربة التشريعات الإسلاميّة ؛ وذلك أنّ هذا المتغيّر شديد البطء عبر أزمنة بعيدة ، ومن ثمّ فليس سهلًا الحديث عن تحوّل سريع نتيجة بعض المتغيرات الإنسانيّة ، خاصّة وأنّه في عصرنا ما تزال هناك شعوب لا تعيش نسبةً عالية من هذه المتغيّرات التي يتحدّث عنها شبستري ، وهذا يعني أنّ الرهان على نظريّة تحتاج لمدد زمنية طويلة في إثبات التحوّل القانوني في الإسلام ضمن مدّة زمنيّة محدودة ، يبدو غير مقنع ويحتوي قفزة غير منطقيّة أو تحتاج لتفسير .
ومن الضروري أن نكون حذرين من الاستجابة للداروينيّة في بُعدها الأخلاقي والاجتماعي إذا أردنا أن نجعلها أصلًا فلسفيّاً لتقويم السلوك والقانون ، وذلك أنّ هذه الداروينيّة ربما تنتج الداروينية الاجتماعيّة التي انتمى إليها - وفقاً للرأي السائد - أمثال الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه ( 1900 م ) ، لتكون جنوحاً نحو أخلاق السادة دون أخلاق العبيد ، ولينتج عبرها الإنسان السوبرمان ، وينتهي معها عهد الله ليعلن موته ، وفقاً في ذلك لأدبيّات نيتشه نفسه ، الذي أثّر - أو استغلّت الاتجاهات النازية والفاشيّة فكره لاحقاً من حيث لا يقصد بنفسه - في الحروب الكونية في القرن العشرين .
ج - إنّ تصوير شبستري للفقه الإسلامي أنّه بُني على نظريّة خاصّة في التكوين ، لا سيما في قضيّة المرأة ، يحظى بالنسبة لي بدرجة احتماليّة معقولة جداً ؛ لكنّني لا أستطيع أن أجزم بأنّ هذه الصورة القابعة في أذهان الفقهاء المسلمين حول المرأة هي التي كانت سبباً في تكوّن نظريّتهم حول ثبات التشريعات ، بل أظنّ أنّ النصوص نفسها ساهمت في بلورة هذا التصوّر التكويني في أذهانهم ، ومن ثم فالعلاقة تبدو لي جدليّة وليست احادية الطرف .
وبتعبير آخر : أنّ استعداد العقل الفقهائي لتقبّل فكرة ثبات التكوين سمح بفهم الإطلاقات من النصوص التي ساعدت بدورها على الإيحاء بالبعد التكويني لقضايا المرأة .
كلمة أخيرة : الدين والشريعة وأزمة الاغتراب الإنساني
أكتفي بهذا القدر من التعليق على قراءة المفكّر شبستري للفقه الإسلامي ، وأختم كلامي