بحدّه الأعلى ؟
هل الثقافة مباينة للدين ولا تقع على تماس معه أبداً ، فلا تعارضه ولا تُنتجه ، كما كان يقول الإيمانيّون وأمثال كارل بإرث ؟
أسئلة محيّرة ، والفكر الديني مطالب اليوم باتخاذ موقف واضح من إشكاليّة علاقة الثقافة بالدين ، ضمن هذه الخيارات الأربعة وربما يوجد خيار آخر غيرها .
وأختم هذه المداخلة بالتعليق على ما طالب به شبستري مؤخّراً من حذف الفقه الإسلامي واستبداله بمرجعيّة أخرى بشريّة ، ومركز ملاحظتي في هذا الموضوع هو طبيعة انتقال شبستري من المعطى إلى النتيجة ، فالمعطى الذي حكى عنه شبستري - كما سبق أن عرضناه - هو أنّ الكثير من القضايا القانونيّة والتشريعية اليوم ليست موجودة في الكتاب والسنّة ووضع بعض الآيات في مقدّمة اللوائح القانونيّة لا يغيّر من واقع الأمر شيئاً ، والتجربة الإيرانية أكّدت المرجعيّة البشريّة للمقنّن . . أمّا النتيجة فهي حذف الفقه الإسلامي تماماً واستبداله بمرجعيّة قانونيّة أخرى .
لم أفهم - ولعلّه من قصور تفكيري - كيف انتقل شبستري من المعطى إلى النتيجة ؟ فشخصيّاً أوافقه تماماً على أنّ الكثير من القضايا القانونيّة اليوم ليس لها وجود في الكتاب أو السنّة ، وليس هناك فيها سوى بعض القيم العليا ، لكنّ هذا لا يُنتج تحييد الفقه ، بل ينتج عدم شموليّة الشريعة ، ومن ثمّ فهو يدعونا للمزاوجة اليوم بين المرجعيّة الدينيّة والمرجعيّة الإنسانيّة في صناعة القانون ، ففي المواضع التي تصدّت لها الشريعة نرجع فيها للشريعة ، وفي غيرها نقوم نحن بسنّ القوانين وفق الخبرات الإنسانيّة في هدي الروح الدينية والقيم الشرعيّة العليا وتحت سقف عدم معارضة الشريعة الإسلاميّة . إنّ عجز الفقه عن الاستيعاب لا يُنتج حذف الفقه ، بل يُنتج عدم احتكاره للمرجعيّة القانونيّة ، وهو - أي عدم الاحتكار ، لا عدم الوجود - ما أوافق عليه شخصيّاً ، بل هو رسالتي الأساسيّة في هذا الكتاب .
11 - نقد مقاربة شبستري التطبيقيّة لفهم التشريعات في العصر النبوي
اعتبر شبستري أنّ المسلمين الأوائل كانوا يتعاملون مع التشريعات عقلائيّاً ولا يرون فيها أيّ بعد أسراري غير مفهوم لهم ، وهذا شيء مع موافقتنا عليه في مجالات كثيرة من التشريعات ،