ونحن نقرأ الأمور - عن كوننا أصحاب رؤية سياسية وعالميّة اليوم ، حتى لا نتحوّل إلى مثقّف تنظيريّ مخملي جداً .
نحن نوافق شبستري وأركون وغيرهما على ضرورة الانتباه لكون بعض مقولات العصر الحديث لا وجود لها في الكتاب والسنّة ، وأنّ الفكر الإسلامي في القرن العشرين تكلّف كثيراً في استنطاق النصوص على بعض الصعد ، وشخصياً أؤمن - كما هي رؤيتي في هذا الكتاب - بعدم شموليّة الشريعة الإسلاميّة لكلّ وقائع الحياة ، كما أؤمن تماماً بعدم وجود ما يؤكّد اشتمال القرآن والسنّة على جميع العلوم الطبيعيّة والإنسانيّة ، ومن ثمّ فبعض المقولات التي لا نجد لها حضوراً في الكتاب والسنّة لا ينبغي تكلّف استحضارها واستحلاب النصوص لأخذها منها ، ولا يبدو لي أنّ النصوص الدينيّة تساعد على الخروج بشرعة حقوق الإنسان القائمة اليوم وبكاملها ، لكنّ القول بأنّ النصوص الدينيّة ليس فيها شيء حول الحقوق والنظام الحقوقي ، بحيث لا يمكننا استخراج رؤية حقوقيّة منها ، يبدو لي غير مقنعٍ أبداً ، فمن يُطالع الفقه الإسلامي يجد أنّه ولو كان هذا الفقه مبنيّاً على نظريّة التكليف ، لكنّ هذه النظريّة تستبطن حقوقاً ، وقد كتب الفقه الإسلامي في الحقوق بلغته الخاصّة منذ قرون طويلة ، قبل ولادة حقوق الإنسان المعاصرة ، فدعوى عدم إمكان الوصول إلى حقوق إنسان إسلاميّة غيرُ منطقيّةٍ ، نعم الوصول إلى حقوق الإنسان العلمانيّة - بالمفهوم المعاصر - من النصوص الدينية يبدو لي أمراً عسيراً للغاية ، ما لم يتخطّ الباحث النص كلَّه ضمن قراءة مستدلّة .
إنّ شبستري بهذه المقاربات لقضية حقوق الإنسان وحذف الفقه الإسلامي ، بدا واضحاً في موقفه من إشكاليّة العلاقة بين الدين والثقافة « 1 » ، فهذه العلاقة تتجه بالمفكّرين دائماً لاتخاذ موقف :
فهل الثقافة الإنسانيّة معبر لإثبات الدين وتكريسه كما هي الرؤية الكلاميّة العقليّة وأمثالها ؟
هل الثقافة هي رافد الدين ومولّده بحيث يغدو الدين مجرّد انعكاس منفعل لثقافة الإنسان كما يبدو من شبستري وسروش ، خاصّة في عقيدة سروش بأنّ العلوم الدينيّة مستهلِكة دوماً ؟
هل الثقافة صنيعة الدين ولا يوجد ثقافة إلا دينيّة ، كما هي عقيدة بعض القائلين بالدين
هامش
( 1 ) حول الدين والثقافة ، لا بأس بمراجعة : أوليفييه روا ، الجهل المقدّس ، زمن دين بلا ثقافة ، ففيه أفكار نافعة .