- دينيّة وعدم محاولة الاستماع إلى النصّ ليحكي عن نفسه ويخبر عن مضمونه ومساحته ؛ لأنّه إذا لم تحكِ النصوص عن مساحة معيّنة - كمجال العلوم التجريبيّة مثلًا - فلا يعني عدم حكايتها عن مجال آخر وبطريقة مستوعبة ، فلسنا أمام خيارين فقط : إما الشمول المطلق الإفراطي أو السقوط والتلاشي المطلق التفريطي .
إنّ الشيء الذي نلاحظه في شبستري هو أنّه جعل النصّ الدينيّ بنفسه تاريخيّاً ، لا أنّه متعالٍ لكنّه يلبس لباس التاريخيّة ، ويوجد فرق واضح بين الحالتين ، فجعل النصّ الديني تاريخيّاً معناه أن هويّته وذاته لا ينفكّان عن التاريخ ، ومن ثمّ لا يوجد له حضور اليوم ولا يمثل أيّ مرجعيّة شرعيّة مثلًا ؛ لأنّ الجزئيَّ في التاريخ لا يمكن تعميمه ما دام الزمان جزءاً منه ، وإذا مثّل شيئاً فهو يمثل تجربة تاريخيّة على الإنسان اليوم أن يستفيد من قراءتها ، بينما جعل النصّ في التاريخ معناه أنّ ثمّة مفهوم ثابت في النصّ وأنّ هذا المفهوم القي في التاريخ ، ولَبِسَ لِبَاسَ اللغة التي تحمل هويّةً تاريخيّة ، وأنّ على المجتهد الإسلامي أن يُلقي عن هذا النصّ لباس التاريخ ؛ ليكتشف روح المعنى اللاتاريخي فيه .
وإنّني - شخصيّاً - إذ أؤمن بالتاريخيّة بالمعنى الثاني ، وأجد أنّ الاجتهاد الإسلامي لم يشتغل عليها بالمستوى اللازم ، لكنّ التاريخيّة بالمعنى الأوّل لا دليل عليها أبداً بوصفها قانوناً شاملًا في التعامل مع النصوص ، ولا يوجد أيّ برهان فلسفي أو دينيّ أو نصّي يمكن أن يسعفها ، إلا تجاوز الدين نفسه ، وسلب الحجيّة والمرجعيّة عن النبوّات والوحي تماماً ، وهذا ليس إصلاحاً دينيّاً ، وإن بقي من روح هذه القوانين عناوين عائمة مثل العدالة والرحمة ممّا هو معروف مسبقاً ، بل هو تخطّ ديني كما قلنا مراراً ، ويحتاج مناقشته فلسفيّاً وكلاميّاً ، وهو خارج عن موضوع كتابنا هذا .
إنّ الخاصية البارزة التي نلاحظها في شبستري أنّه لا يقدّم أيّ مقاربات فلسفية أو علميّة مبرهنة على مدّعياته في الغالب ، ولهذا نعتقد بأنّه يدخل النصّ الديني مقدّماً قراءة أيديولوجيّة مسبقة له ، من نوع أنّ القوانين كلّها تاريخيّة - مع أنّه في موضعٍ قبل بالقوانين العباديّة والمعامليّة - ومن نوع أنّ النصوص ليست قانونيّة بل هي أخلاقيّة ، أو ليست مولويّة بل هي إرشاديّة ، فكلّ هذه المنظومة الضخمة من النصوص الفقهيّة في الكتاب والسنّة يكتفي شبستري بالقول بأنّها أخلاقيّة رغم ما فيها من أنظمة عقوبات صارمة وقوانين أحوال شخصيّة وغيرها لا
شمول الشريعة — صفحة 667
مساهمون: حيدر حب الله
ص٦٦٧