فمن يثبت اليوم أنّ الفقه - ولو بعضه - لا يمكن أن يحيا في هذا العصر ؟ وما هي المعايير العلميّة لهذا الإثبات ؟ وما معنى استحالة بقائه ؟ فهل استندنا لها إلى مجرّد قراءتنا للمصالح والمفاسد من خلال النظر في منظومة القوانين الغربية أو إلى معطى أكثر عمقاً من مجرّد ترجيح النظم القانونية الغربيّة أو مراقبتها ؛ لأنّ الترجيح لا يعني الاستحالة ، واستحالة بقاء القانون إلى الأبد لا تعني استحالة بقاء الفقه الإسلامي في يومنا هذا مع إمكان تلاشيه فيما بعد .
إنّ هذه المفاهيم غير جليّة ولا واضحة ، فشبستري - فيما أفترض - رأى من وجهة نظره الشخصيّة أرجحيّة القانون الوضعي اليوم على القوانين الفقهيّة الإسلاميّة ، أو كثرة التحوّل في القوانين المدنيّة بتغيّر الظروف الموضوعيّة ، فانتقل من هذه الفكرة إلى فكرة الاستحالة في الاستمرار ، لينتقل منها إلى عدم إمكان التمسّك بالإطلاق مع أنّه :
أ - إنّ استحالة التأبيد لا تنافي إمكان بقاء الفقه إلى اليوم ؛ لأنّ بقاءه اليوم لا يعني تأبيده مع إمكان انتهائه في مرحلة زمنيّة لاحقة ، وحيث إنّ ما يمنع الاستناد إلى الإطلاق عند شبستري هو نفي إمكان التأبيد الثبوتي ، فلابدّ له أن يستند إلى الإطلاق حيث لا يثبت لدينا عدم التأبيد ، والمفروض عدم ثبوته الآن .
قد تقول لي : إنّ إمكان التأبيد شرط أصل انعقاد امتداد زمني للقانون الإسلامي ، ولازم ذلك عدم ثبوت التشريعات الفقهيّة إلى أبعد من عصر النصّ ، وهذا ما يساوق بطلان الفقه خارج عصر النص أساساً ، فإذا كان هذا ما قصده شبستري فلا يرد عليه إشكالنا المتقدّم ، لكن يؤخذ عليه أنّه في نفسه غير صحيح ؛ لأنّ الإطلاق الأزماني - حيث يمكن الشمول ثبوتاً ولو لم يكن الشمول أبديّاً - لا دافع له ، فالنصّ ينعقد فيه الإطلاق حيث لا يوجد قيد زماني وفقاً لقواعد الإطلاق والعموم التي لا يبدو أنّ شبستري يرفضها ، وهذا معناه - عقلائيّاً وعرفاً ، وهما المرجع في استخدام الإطلاق وفهمه - الوفاء لهذا الإطلاق ما لم يمنع مانع أو يحدث ما يحول دون إمكان الأخذ به ، وينتج عن ذلك أنّ الأخذ بالإطلاق اليوم لا مانع منه إلا إذا ثبت ممنوعيّة الشمول ثبوتاً ليومنا هذا .
ومحصّل كلامنا أنّ الحكم لمّا كان ثابتاً في عصر النزول أمكن عقلًا أن يكون ثابتاً بعده بمدّة زمنيّة ، وهذا أمرٌ قطعي الإمكان إذ سائر القوانين تمتدّ لمدد زمنيّة أكبر من مجرّد بضع سنوات ،
شمول الشريعة — صفحة 665
مساهمون: حيدر حب الله
ص٦٦٥