تحوّلات تطال كلّ شيء ؟ وهذا معناه أنّ واقع التحوّل لا يساوي تبريره ، والمفروض أن يكون لنا موقف فلسفي وأخلاقي من كليّة التحوّل على تقدير أنّ هذه الكليّة واقعيّة ، فلعلّ كليّة التحوّل تفضي لتدمير الإنسان الذي يحتاج إلى ثبات في قدر من حياته ، فهل هذا التحوّل قهريٌّ تفرضه السُّنن - على طريقة الديالكتيك الهيجلي وفقاً لمنطق التضاد - أو أنّ للإنسان دوراً فيه ، ومن ثمّ فعلينا السؤال عن التبرير الأخلاقي لشموليّة التغيّر وسرعته ، وهل هو في مصلحة الإنسان أو لا ؟ بدل فرضه حقيقة لازمة علينا التكيّف معها .
ومن الضروري لي أن أشير هنا إلى أنّ الدراسات الظاهراتيّة والأنثروبولوجيّة التي يلفت إليها شبستري ، لا تُسعفه هنا ، ويبدو لي - بنظري القاصر - أنّه وقع في خطأ حادّ ؛ وذلك أنّ نقطة الاختلاف هنا ليست في أنّ الوحي الإلهي عبر التاريخ يجب أن يكون لديه تحوّل تبعاً لتحوّل الحياة منذ عصر الإنسان القديم إلى اليوم ، بل كلّ التنازع في الرسالة الإسلاميّة - ولعلّ تعدّد النبوّات استجاب لتلك التحوّلات - ومن ثم فعلينا أن نستخدم رصد التحوّلات منذ عصر الرسالة إلى عصرنا ، فهل كانت شاملة ؟ وعلى تقدير إمكان الشمول في المستقبل - تبعاً لمنطق الأشياء - كيف لنا أن نخرج باستنتاج التخلّي عن القانون ؛ لأنّه عرضيّ ، بناءً على أمرٍ لا نعرف وقائعيّاته في المستقبل بعدُ ، وما الذي سوف يجري ؟ ! ولعلّ الحياة تنتهي بعد سنوات قليلة ! إنّ كلّ هذه الأسئلة الفلسفيّة مشروعة ما دمنا نتكلّم في طابق سفلي للموضوع .
ومن هنا نسأل : هل أنّ مسار الأمور في الغرب هو بالأصل مسارٌ صحيح يجلب السعادة للإنسانيّة في المستقبل حتى نستجيب له أو أنّ علينا أن نفرض القيم التي نؤمن بها على طبيعة التحوّل البشري لنجعله تحوّلًا خاضعاً للقيم ، بدل أن تكون القيم والقوانين خاضعة له ، وكأنّه لا يوجد سلطان فوقه ، بل كأنّه سلطة إلهية مطلقة لا يجوز استجوابها ؟ ! هل يجوز نحر المثقّف الديني لصالح المثقّف العالمي الحديث بهذا الأسلوب ؟
هذا كلّه يؤكّد أن شبستري خرج بتعميمات من مقدّمات لا تسمح له بالخروج بتعميمات من هذا النوع ، بل لم يقم شبستري بإعطائنا أيّ مرجعيّة فلسفيّة للاستدلال على حجيّة الدراسات الظاهراتيّة نفسها إذا استهدفت الخروج بقوانين كليّة ، بوصفها مرجعاً حصريّاً في فهم الدين عبر مقاربة تفاعل الإنسان مع الدين تفاعلًا جدليّاً عبر التاريخ . . فهي كغيرها من الأصول الموضوعة الكثيرة في كلامه ، والتي لم نجد لها استدلالات ، بل يبدو لي أنّه اعتمد فيها على
شمول الشريعة — صفحة 662
مساهمون: حيدر حب الله
ص٦٦٢