هيمنتها في الثقافة العصريّة لا غير ، وهي الثقافة التي تنظر للدين بوصفه ظاهرة في أفق الطبيعة وليست متعالية عنها ، ومن ثمّ فهي قراءة علمانيّة تماماً ، فهل نتائج البحث الظاهراتي تسمح منطقيّاً بالتعميمات ؟ والأهم هل الدين لا يُدرس إلا من زاوية الرصد الفينومينولوجي ؟ وهل الدين ليس إلا الرحلة الزمنيّة لعلاقة البشر معه ؟ لسنا نشكّك في قيمة البحث في فينومينولوجيا الدين ، فإنّ معطياتها رائعة ومدهشة حقّاً ، لكنّ الكلام في حصر مرجعيّة الاحتكام هنا في قراءة الدين للدراسة الظاهراتيّة .
وإنّما أقول هذا الكلام الذي قد يبدو مطالِباً العلامة شبستري بما هو فوق الحدّ الطبيعي ؛ لأنّ شبستري بنفسه يطيح بكلّ مسلّمات الدين التاريخي والفكر الديني تقريباً ، ويصرّح في مواضع بأنّه لا يوجد تحت السماء برهانٌ غير قابل للنقض ، ويطالب بإعادة النظر حتى في أبده البديهيات الدينيّة ، وهذا حقّه ، لكنّ اللافت أنّه في الوقت عينه يعتمد عشرات المعطيات والمقدّمات التي يقوم عليها مشروعه ، والآتية من علومٍ مختلفة ، دون أن يكلّف نفسه حتى توضيح الأصول الاعتباريّة التي تمنحها القيمة المنطقيّة ، بل يتعامل معها بوصفها حقائق نهائيّة ، والمطلوب فقط هو البناء عليها ، بل المثير أكثر هو أنّه مع هذا كلّه يصرّح بأنّ معطيات الهرمنوطيقا الفلسفيّة مسلّمات لا شكّ فيها !
أقول هذا عن محبّة وتقدير وأمل والله الشاهد ؛ لأنّ قارئاً بسيطاً مثلي يطمح لمفكّرنا الإسلامي ومثقّفنا الديني المعاصر ، أن يكون مجتهداً - لا مجرّد فاهمٍ - في الأصول الموضوعيّة التي يريد أن يبني عليها فهماً جديداً كلّ الجدة للدين ، لا أن يظلّ مقلّداً فيها ويقدّمها لمجتمعه على أنّها حقائق باتت مفروغاً منها ، في الوقت الذي نعرف جميعاً أنّها ما تزال محلّ نقاش واسع في الغرب ، حتى لو كان لها أنصار كُثر . ولا أدّعي أنّ قامةً شامخة مثل المفكّر شبستري هي كذلك ، لكنّني أحاول أن الأمس الموضوع من زاوية كليّة .
ولست أنفي مساهمة الفينومينولوجيا في فهم الدين ، فهي تكشف عن وجهٍ من وجوهه وتجلٍّ من تجليّاته ، لكنّ حصر مرجعيّة فهم الدين والكشف عن هويّته بالمنهج الظاهراتي أمرٌ يحتاج إلى دليل ، خاصّة بالنسبة لمن يؤمن بالله والمقدّس المتعالي وبدور الغيب في حياة البشر عموماً .
أمّا محاولة شبستري الاستدلال على العرضيّة في موضعٍ آخر بما يشبه ما قاله سروش من أنّه
شمول الشريعة — صفحة 663
مساهمون: حيدر حب الله
ص٦٦٣