لا يهمّنا أن نعرف أنّ القوانين التي وضعها الإسلام هل تغطّي حياتنا اليوم أو لا ، ولا يعنينا أن نحدث مقارنة بين القانون اليوم والقانون الذي جاء به الإسلام ، وإنّما نريد فقط أن نعرف : هل يصحّ أن ننفي عن الإسلام صفة أنّه حمل معه قوانين للحياة في تلك الفترة على الأقلّ ونصوّر المشهد بأنّه مجرّد تعديل جزئي لبعض الأعراف بحجّة أنّ العرب كانت لديهم قوانينهم وأنّ الأرض لم تكن خالية ؟ أفهل هناك قانون جاء مناقضاً تماماً لكلّ قوانين عصره ؟
8 - ثنائيّتا : القيم والقوانين ، والمتعالي والتاريخي ، عجز المعايير
إنّ أصل تمييز الشيخ شبستري بين القيم والقوانين تمييزٌ جيّد ، لكنّه لم يضع لنا تعريفات تميّز بين القيمة والقانون - أو الذاتي والعرضي - تمييزاً دقيقاً ، بعد أن حذف من قائمته مرجعيّة الكتاب والسنّة نفسها في التمييز ، ومن ثمّ فالوفاء بالعقود ( المائدة : 1 ) هل هو قيمة ثابتة أو قانون متغيّر ؟
ولو غضضنا الطرف عن هذا الأمر ، فلم يقدّم لنا شبستري دليلًا مقنعاً على كلّية ثبات القيم وتغيّر القانون ، فما هو المبرّر المنطقي لجعل كلّ القيم ثابتةً أو جعل كلّ القوانين متغيّرة ؟ وبتعبير الدكتور مصطفى ملكيان فإنّ هول التغيّر والتحوّل في المجتمعات الإنسانيّة لا يمنع - منطقيّاً - من وجود أحكام وقوانين ثابتة لا تطالها يد التغيير ، مستشهداً بنصوص لكونفوشيوس ( 479 ق . م ) نفسه ما تزال حيّةً رقم القرون المتمادية « 1 » . وملكيان إذ ينتصر بنفسه للفهم التاريخي للدين ، لكنّه يرى أنّ ثمّة تناقضاً بين التاريخيّة الشاملة ومبدأ عالميّة الدين ، فإنّ الدين العالمي يستدعي تخطّياً للظروف السياقيّة التاريخيّة ، ومن ثم ففهم الدين العالمي يستدعي تخطّياً أيضاً لهذه الظروف لفهم الرسالة « 2 » .
إننا نتفهّم المساحة الكبيرة من التغيّر في القانون تبعاً لتغيّر الظروف ، لكنّ إطلاق شبستري قاعدة عامة في التغيّر يحتاج إلى دليل أيضاً ؛ هذا ما وجدنا شبستري يجعل فيه الدعوى عينَ
هامش
( 1 ) انظر : ملكيان ، حوار حول : انتظار بشر از دين ( توقّعات البشر من الدين ) ، مجلّة نقد ونظر ، العدد 6 : 63 - 64 .
( 2 ) انظر : ملكيان ، سنّت وسكولاريسم : 285 - 286 ؛ وحوار حول : انتظار بشر از دين ( توقّعات البشر من الدين ) ، مجلّة نقد ونظر ، العدد 6 : 64 - 65 .