هل أنّ أكل لحم الخنزير مؤثر في السلوك التوحيدي أو لا ؟ وهل لدينا مبرّر موضوعي ينفي تأثير مجموعة العناصر القانونيّة في الفقه مثلًا على تبلور السلوك التوحيدي وتوفير بيئة حاضنة له أو لا ؟
فعلى سبيل المثال ، يقرّ شبستري بأنّ الإسلام تدخّل في منع بعض التشريعات والأعراف التي كانت سائدةً عند العرب انطلاقاً من اعتقاد الإسلام بأنّ هذه الأعراف تخلّ بالسلوك التوحيدي ، ولم يوضح شبستري لنا ما هي هذه الأعراف ؟ وكيف كان تأثيرها السلبي على السلوك التوحيدي ؟ وكيف نميّز بين عرفٍ وآخر في هذا التأثير ؟ وهل يستطيع العقل الكشف دائماً عن هذا التأثير أو أنّ بعض مصاديق هذا التأثير ممّا يعجز العقل عن اكتشافه فيدخل في دائرة الوحي وفقاً لتنظير شبستري نفسه ؟
هذه القضيّة - أعني محوريّة التوحيد ، لينتج عنه السلوك التوحيدي ، لينتج عنهما تصحيح السلوك الإنساني - ذات صلة واضحة أيضاً بمسألة طبيعة أسئلتنا التي يفترض أن نوجّهها للدين ، والتي ألمحنا إليها من قَبْل في مناقشة نظريّات شبستري وسروش وبازرگان ؛ وذلك أنّه ما دام محور الدين هو التوحيد ، وما دام هناك سلوكٌ توحيدي ، وما دام الدين معنياً بمواجهة الظلم ، ولذلك تدخّل في بعض الأحيان في حياة العرب للحدّ من الظلم ووقف الإفراط فيه ، فهذا يعني أنّ نظريّتنا المسبقة تؤمن بأنّ مساحة الدين المتوقّعة تشتغل على قضايا التوحيد والسلوك والعدالة ، ومن ثم يصبح من المنطقي أن نستمع إلى النصّ في هذه الدوائر الثلاث وفقاً لمقاربات شبستري ، الأمر الذي يجعل توجيه أسئلة من نوع : القضايا الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والتربويّة والأخلاقيّة وغير ذلك ذا صلة وثيقة بطبيعة الهويّة الدينيّة ، فلماذا لم يلجأ شبستري إلى مقاربات نصيّة تستنطق القرآن والسنّة حول هذه القضايا ما دامت ضمن دائرة مجال النصّ ومساحته ؟ ومجرّد أنّنا لسنا بحاجة للنصّ فيها لأنّ العقل يسدّ مسدّه لا يعني أنّه من غير المبرّر لنا توجيه هذه الأسئلة ، ونحن نقوم بمقاربة تاريخيّة لدراسة موقف النصّ ، فعدم الحاجة لا يفرض منعاً فلسفيّاً أو أخلاقيّاً في توجيه هذه الأسئلة ، وإنّما يفرض موقفاً ترجيحياً فيما لو اختلف حكم العقل عن حكم النصّ بعد توجيه الأسئلة للنصّ في قضايا محدّدة . وكلامي هذا كلّه بصرف النظر عن التاريخيّة ومسألة التأبيد عند شبستري ، وسيأتي الحديث عنها .
شمول الشريعة — صفحة 658
مساهمون: حيدر حب الله
ص٦٥٨