تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 656

مساهمون:

ص٦٥٦
( استحالة التحوّل ) ؟ أليس هذا خلطاً بين تاريخ الفقه وقدرة الفقه الذاتيّة على الخروج باجتهادات مختلفة بوصفه علماً من العلوم ؟ أليس هذا هو حال سائر العلوم الإنسانيّة والطبيعية التي شهدت تحوّلات قوية جداً رغم محافظتها على هويّتها العامّة ؟ رابعاً : يعدّد لنا شبستري سلبيّات الدين القائم اليوم بالقراءة الرسميّة له ، ونحن معه في الكثير من السلبيّات الموجودة ، لكن من المفترض عندما ندرس موضوعاً ما أن نرصد ثنائية السلب والإيجاب فيه ؛ لنقارنها بثنائية السلب والإيجاب في بدائله . لقد ركّز شبستري على مثل ظاهرة القمع وسلب الحرّيات والعنف وغيرها من القائمة المعروفة عند الجميع ، مشيراً إلى ظاهرة النفاق التي يعزّزها الإسلام الفقاهتي . ولكنّه في المقابل لم يشر للجوانب الإيجابية من الإسلام الفقاهتي ، في خلقه فضاء انضباط اجتماعي ، فوجود النفاق بسبب قوّة القانون الديني يعني أنّ من يريد التخلّف عن القانون فهو يمارس النفاق ، لكنّه يعني - في مكانٍ آخر - أنّ من يريد الالتزام الروحي فإنّ هذا القانون سوف يساعده . ولست أريد بهذا أن أدافع عن فضاء النفاق القائم ، بل أجد نفسي مسؤولًا في أن ادينه وأشارك الكثيرين في إدانته ، بل أهدف لرصد الظاهرة في تأثيرها السلبي والإيجابي معاً . بل إنّني أسأل شبستري : هل يعتقد بأنّ ظواهر القمع وسلب الحريّات وغير ذلك في واقع المسلمين اليوم مرجعه للفقه والشريعة أو مرجعه للأوضاع السياسيّة الأقليميّة والتدهور الاقتصادي في بلاد المسلمين أيضاً ؟ فقد حَكَمَ بلادَ المسلمين بعد الدولة العثمانية علمانيّون كثر ، ولم يجنِ المسلمون منهم سوى القمع والتنكيل ، مثل بعض التيارات اليسارية والشيوعيّة والاشتراكية والقوميّة والليبراليّة وغيرهم ، فلماذا يا تُرى ظلّ حال البلاد الإسلاميّة هكذا رغم إقصاء الفقه عن الحكم ؟ إنّ ذلك يدفعنا للتفتيش عن أسباب أكثر عمقاً ، وعدم حصر شبستري نفسَه بالتجربة الإيرانيّة « 1 » ، ومقارنة تجارب سائر بلاد المسلمين والشرق عموماً ، وتقديم قراءات ميدانيّة للوضع تتعاضد فيها العلوم الإنسانيّة مجتمعةً ، بدل تحميل الدين
هامش
( 1 ) ملاحظتي على العديد من الباحثين والمفكّرين والشخصيّات في إيران ( وربما في غيرها أيضاً ) أنّهم كثيراً ما يقصرون نظرهم على تجربتهم الخاصّة جغرافيّاً وقوميّاً ومذهبيّاً ، ويحكمون على الأشياء من موقعها سلباً أو إيجاباً ، وليس كثيراً ما يستحضرون التجربة في مداها الإسلامي الواسع على امتداد بلاد المسلمين شرقاً وغرباً .