الإصلاح الديني ، ولا يمارس إقصاءً للدين . . فكيف يتوفّر هذا الإصلاح الديني عندما نحذف من حياة مجتمعات تقليديّة أصول الضبط الاجتماعي والأخلاقي والروحي فيها ، والآتي - بنسبة عالية - من الدين التاريخي ؟ !
بل دعونا نذهب في التحليل أبعد من ذلك ونقارن تجارب شبيهة ، فنحن نعرف أنّ المسيحيّة ليس فيها شريعة بالمعنى الموجود في الإسلام واليهوديّة ، لكنّها لم تتمكّن من الاستمرار بعيداً عن شريعة أو قانون ولو بحدٍّ أدنى ، فأعادت تكوين شريعة لها لتنظيم الأمور وترتيبها ، لتخلع عليها تقدّساً ، وكلّ من يقرأ التجربة الكاثوليكيّة يجد كيف أنّ هناك سلسلة قوانين تفصيليّة للكثير من الشعائر الدينيّة ( الشعائر السبعة ) ، وضبط الأمور والعلاقات الداخلية والخارجيّة بين المسيحيّين والكنائس ، فيما يُعرف بالشرع الكنسي أو القانون الكنسي « 1 » ، بل إنّ المسيحيّة اليوم رغم عدم البعد التشريعي فيها ، تتدخّل بوضوح في تقديم مواقف دينيّة من العديد من قضايا العصر الحديث مثل البيئة والطلاق والإجهاض والمثلية الجنسيّة والعنف وحقوق الأطفال . . منطلقةً من رؤية أخلاقيّة مستمدّة من روح التعاليم الدينيّة ( الكتاب المقدّس - التراث الكنسي الأوّل - المجامع المسكونيّة . . ) من وجهة نظرها . . ألا يُشعرنا هذا بأنّ الدين عندما يكون في فضاء اجتماعي فهو غير قادر على التخلّي عن القانون لتوجيه أتباعه وضبطهم وحماية هويّتهم الانتمائيّة وتصحيح سلوكيّاتهم ؟ !
بل حتى الدين الفردي الخالص الذي رأيناه مع البروتستانتيّة رجع - بعد تجربة طويلة - إلى نوع من التنظيم ، ولو بشكل أبسط بكثير من الكاثوليكيّة ، فحتى الكنائس المبعثرة أعادت جمع نفسها عام 1948 م عبر مجلس الكنائس العالمي (
WCC )
، لأجل التحوّل نحو هويّة وقوّة واحدة ، فالعالم يقوم على التكتّل اليوم لضمان البقاء ، فمن الطبيعي للدين أن يقوم على التكتل الاجتماعي لضمان بقائه ، ومن ثم فعليه في فضاء هذا التكوّن الاجتماعي أن يضبط حركته الجماعيّة عبر سلسلة شعائر وقوانين وسلوكيّات وتاريخيّات تمنح أتباعه مزيداً من الانسجام والهويّة .
وينتج عن ذلك كلّه السؤال الآتي : ألا يكون حال من يشتغل على إحياء ( الحياة الدينيّة
هامش
( 1 ) انظر - على سبيل المثال - الكتاب المرجع في هذا الصدد :The Code Of Canon Law؛ وكذلك كُتب ومجموعات الشرع الكنسي والقوانين الاجتماعيّة المنشورة باللغة العربيّة .