شهدته الإنسانيّة من أبشع أنواع الظلم والاضطهاد لملايين السود ، ولممارسة استعمار مخيف لقرنين من الزمن أو يزيد على عشرات الشعوب والمجتمعات ، ولخوض حربين كونيّتين قضتا على ما ربما يزيد عن ضحايا مجموع حروب الإنسان على وجه الأرض منذ خلقه ، ولتدمير الطبيعة وخيراتها وجعل الأرض وسكّانها في مأزقٍ مخيف لا يقف عند حدود الاحتباس الحراري ، بل نشر ثقافة احتقار الشعوب وتسخيرها ودوران الإنسان حول الأنا الفرديّة ، وغير ذلك من قائمةٍ لا تنتهي ، وما تزال فصولها مستمرّة إلى يومنا هذا ، وكأنّنا نعتبر الغرب أصلًا أعلى تُعرض كلّ الأشياء عليه ، وربما لهذا لم نجد لدى شبستري قراءات جادّة في نقد الغرب ومُخرجاته الفكريّة والثقافيّة « 1 » .
نقول هذا ؛ لأنّنا نعتقد بأنّ المثقّف الحقيقي ليس هو المثقّف الناقد الذي ينقل بندقيّته من جهة إلى أخرى ، بل ذاك الذي يتحوّل النقد الموضوعي لديه إلى سمة ذاتيّة لا تخضع أمام طبيعة الجهة المستهدَفة بالنقد ، وليس ذلك الذي ينتقد جهةً ليتبع أخرى . وشخصيّةٌ رفيعة بحجم شبستري لا أظنّها تريد أن تكون كذلك .
ثانياً : إنّني أعتقد بأنّ على شبستري أن يفكّر في الدين في مجتمعات المسلمين وليس فقط في المجتمعات الغربيّة ، فهل نظريّته تؤمّن غاياتها في فضاء المجتمعات الإسلاميّة اليوم بما تحمله هذه المجتمعات في لحظتها الحاضرة من ذهنيّات وأعراف وطرائق عيش أو لا ؟ وهل دخول نظريّة من هذا النوع في حياة المسلمين اليوم يجعل حياتهم أقرب إلى المعنى أو يخلق فيهم هجران المعنى والغربة عنه ؟
إنّ التغيير يجب أن يكون من داخل قيم المجتمعات وطبائعها لا من خارجها ، ولهذا فإقصاء الشريعة والتاريخ و . . لا يوجب تغييراً إيجابيّاً في اللحظة الحاضرة في حياة المسلمين الراهنة بل يوجب انهيار القيم ودخولنا في مرحلة العبثية وتوفير المناخ المناسب للربوبيّة أو للحياة المعنويّة اللادينيّة ( الوضعيّة ) ، والمفروض أنّ شبستري يمارس إصلاحاً دينيّاً ، كونه محسوباً على حركة
هامش
( 1 ) أرجو أن لا نتعامل هنا بذهنية ثنائية الغرب والشرق ، والتي تهيمن على الكثير منّا ، بحيث إنّك إذا انتقدت الغرب فهذا يعني أنك ترى الشرق أفضل حالًا منه ! لست مضطرّاً لأضع نفسي في هذه الثنائيّات الوهميّة ، فعندما أنتقد الغرب فلا يعني ذلك أنّ الشرق أفضل حالًا منه ، بل نخرج هنا من هذه الثنائيات التي قتلت تفكيرنا وشلّت قدرة النظر عندنا .