يصنع ديناً غير قائم على النصوص أو التاريخ ، بل هو ما يزال أسيراً لها .
وإذا وصلنا لهذه النقطة تبيّن أنّ شبستري لم يقدّم مرجّحاً نصيّاً أو برهانيّاً على الصورة التي نحتها للدين ، بل رأينا أنّها تفتقر لمعطيات .
لكن في مقابل هذا كلّه ، من الممكن لشبستري هنا أن يدّعي بأنّ فهمكم لمنطق الترجيح هو في نفسه فهم خاطئ ؛ لأنّ الترجيح هنا لا يقوم على البراهين أو الأدلّة أو ما شابه ذلك ، بل يقوم على خصائص من نوع :
أ - انسجام عناصر النظريّة وجماليّتها الداخليّة .
ب - قدرتها على تقديم الحلول بشكل أفضل من غيرها .
وهذه الخصائص متوفّرة في نظريّة شبستري ؛ إذ هو يريد من نظريّته أن يُخرج المجتمعات الإسلاميّة من مأزق الانغلاق والقمع والتخلّف ، ليصل إلى التنوير العقلي وإلى الحريّات والديمقراطيّة وغير ذلك دون التضحية بالدين ، ونظريّته تتمكّن اليوم من إبقاء الدين في الحياة المعاصرة ، بينما نظريّة الإسلام الفقاهتي عاجزة عن منح القدرة للدين على البقاء في الظرف الراهن ، وهي تتهاوى يوماً بعد آخر ، ويلاحظ مزاجه هذا أيضاً في معالجته لقضيّة حقوق الإنسان المتيافيزيقيّة .
وهذه الطريقة في الترجيح ومعالجة الأمور ، طريقةُ الإعلام لا الاستدلال بالمفهوم الدقيق للكلمة ، حاضرة بقوّة في الفلسفة القاريّة (
Continental Philosophy )
التي تبنّاها هايدغر وهوسرل وغيرهم ممّن تأثر بهم شبستري ، وانبثقت منها مدارس فلسفية ونفسيّة عدّة ، في مقابل الفلسفة التحليليّة (
Analytic Philosophy )
التي برز بها الإنجليز ، والتي تعتمد تحليل المنطق والمفاهيم واللغة وبِنية العقل ونحو ذلك ، على توجّهات فريجه وبرتراند راسل وغيرهم ، والتي انبثقت منها مدارس فلسفية متعدّدة في القرنين التاسع عشر والعشرين .
إلا أنّ مقاربة شبستري لهذا النوع من الترجيح - لو كان هذا هو مقصوده ، رغم أنّه في حواريّاته مع الدكتور داود فيرحي ، والمنشورة على الموقع الألكتروني ، يدين التضحية بالحقيقة في سبيل المصلحة - تعاني هي الأخرى من مشاكل ، وذلك :
أوّلًا : لو أخذنا التجربة التاريخيّة والمعاصرة ، وسألنا شبستري بكلّ صراحة : هل التجربة الروحيّة المتعالية نمت وازدهرت في ظلّ تقليص الدين إلى معنويات أو في ظلّ جعله - أيضاً -