فضاءً اجتماعيّاً منظومياً عبر سلسلة قيم وشرعيات وضوابط وتاريخ وغير ذلك ؟ هل الدين التاريخي - من حيث المبدأ - يساعد على نموّ البيئة الحاضنة للمعنويات أو يعيقها ؟ وهل حياة الحداثة المعاصرة هي حياة مترقّية معنويّاً أو متراجعة ؟ هل المعنويات في فضاء الأديان الإبراهيميّة أو نحوها أفضل حالًا أو في فضاء الخروج من كلّ الدوائر التي يمثلها الدين التاريخي ؟ وأيّه الذي يساعد على خلق بيئة حاضنة : إلغاء الدين التاريخي بكلّ عَدده وعُدّته أو الحفاظ عليه مع إجراء إصلاحات فيه ؟
لم يقدّم لنا شبستري أيّ مقاربة ترجيحية تعطي ضماناً أنّ الذهاب نحو الدين المعنوي الخالص يمكنه أن يوفّر نموّ التجارب الروحيّة أو انبعاثها وانتشارها في حياة البشر ، بل الذي رأيناه على العكس تماماً ، وهو أنّ تجربة الحداثة - التي يؤمن بقيمها شبستري - حدّت من نموّ الحياة المعنويّة للبشر ، ورمت بها خارج عجلة الحياة ، حتى صاروا اليوم يعيدون التفكير لجعل مجال للدين فيها حتى لا تفضي إلى انهيار الحياة الروحيّة وهلاك الإنسان في الماديات ، فهل ضحّى شبستري يا تُرى - من حيث لا يقصد - بالحياة المعنويّة ، لصالح العدالة الاجتماعية التي رآها في الغرب ، فكانت بوصلته العدالة والحريّة أكثر من المعنويّة ؟
يخيّل لي أنّ شبستري يتعامل في طرح نظريّته مع نُخب وليس مع جمهور الناس ، فالنخب الخالصة ربما يمكنها خوض تجارب روحيّة بعيداً عن الأديان التاريخيّة ، لكنّ طبائع البشر العاديين يغدو هذا الأمر شبه مستحيل بالنسبة إليهم ، ومن ثمّ فالذاكرة الإيمانيّة الجماعيّة والضبط الاجتماعي الأخلاقي في غاية الضرورة هنا .
إنّ شبستري نفسه يذهب في بعض محاضراته إلى أنّ العالم القديم هو عالم توافق الداخل والخارج ، بينما العالم الحديث هو عالم انفصال الداخل عن الخارج وحدوث الشرخ ، فهل الحياة الحديثة تساعد - في ظلّ هذا الوضع - على الحياة الروحيّة ؟ ! وهل يعتقد شبستري أنّ الحياة المدنية في الغرب تدفع نحو الحياة الروحيّة أو تعقّدها وتجعلها عسيرة إلا لأفراد ؟ !
ولست أريد هنا أن أناقش شبستري في ملفّ العدالة الإنسانيّة وتجربة الحداثة والغرب عموماً في العصر الحديث ، وأنّها هل كانت تجربة ناجحة مع الآخر الإنساني أو لا ؟ وكثيرون لا يقتربون أصلًا من ممارسة قراءة نقديّة للتجربة هذه وكأنّها تجارب معصومة وتمثل القدوة العليا التي إذا اقتربنا من نقدها نُتهم بالتخلّف والرجعيّة ! فهل من تأثيرات الحداثة وعقلانيّة البشر ما
شمول الشريعة — صفحة 652
مساهمون: حيدر حب الله
ص٦٥٢