المجال - فلسفيّاً وأخلاقيّاً - لولادة قراءة جديدة ، لكنّها لوحدها لا تستطيع أن تُثبت هذه القراءة أو ترجّحها ، بل إنّ مرجّحات هذه القراءة أو تلك تظلّ في طبيعة المعطيات التي تقدّمها ، لا في الأساس الفلسفي والأخلاقي الذي يسمح بوجودها في حلقة الممكنات التفسيريّة ، فهل يعني القول بفتح باب الاجتهاد أنّ كلّ اجتهاد صحيحٌ أو راجح ؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا كلّ هذه المجاهدة التي يمارسها شبستري لمواجهة القراءة الفقاهتيّة للدين ؟ أليست هي قراءة لا تختلف عن قراءته ؟ !
إنّ شبستري كرّس مقدّمةً لا تُنتج رجحان قراءته ، بل تُنتج مشروعيّة قراءته وإمكانها ، والمشروعية والإمكان الأوّليّين - بوصفهما موقفاً أخلاقيّاً وفلسفيّاً - لا يُثبتان هذا الشيء المشروع أو الممكن بالضرورة .
وإنّما أقول هذا الكلام ، لكي أعلّق على شبستري وكثيرين ممّن رأينا لديهم وضوحاً في تناول الأمور بهذه الطريقة ، بحيث بدت مقاربتهم وكأنّها بمجرّد أن تُصبح مشروعةً فهي تغدو متعيّنة أو راجحة ! والشيء الذي يُلفت النظر هنا أنّنا في كثير من الأحيان لا نجد حتى مقاربات ترجيحية حقيقيّة ، وكأنّ الاكتفاء بالعرض كفيلٌ بالترجيح ! وإذا كان الأمر كذلك فالقراءة الفقاهتيّة للدين تحظى بمثل هذا المرجّح !
بل يمكنني أن أضيف هنا بأنّ شبستري وسروش وغيرهما كانوا يركّزون دوماً على أنّ القراءة الأخرى للدين تنطلق من خلفيّات ، ولا قراءة بلا خلفيّات مسبقة ، ودعوا للتساؤل وطرح الاستفهامات حول هذه الخلفيّات ، وهذا أمرٌ مشروع تماماً ، لكنّنا لم نجد محاولةً للكشف عن خلفيّات قراءتهم المعرفيّة هذه أو إثباتها في كثير من المواقع ، ومن ثم فمن حقّ الآخرين مناقشة هذه الخلفيّات التي بُنيت عليها قراءتهم .
ما أريد قوله هنا ، هو أنّ تصوير الآخرين أنّ تفسيرهم غير متعالٍ وإنّما هو قائم على فرضيّات مسبقة يوحي دائماً بأنّ تفسيرنا ليس كذلك ، وإذا كان الأمر مشتركاً كان من الطبيعي أن نسبح جميعاً في بحر الفرضيات المسبقة ، وهذه الفرضيات المسبقة لا تقف عند حدود فهم النصّ حتى يقع في شبكها المفسّرون للنصوص الدينيّة فقط ، بل هي حاضرة في فهم الطبيعة والإنسان والماورائيّات وكلّ شيء ، ولا أقلّ في الإنسانيّات وفقاً للمنهج التفهّمي فيها ، والذي قدّمه فيلهلم ديلتاي ( 1911 م ) ، ففكرة المفروضات المسبقة لن يتحرّر منها الذي يحاول أن
شمول الشريعة — صفحة 650
مساهمون: حيدر حب الله
ص٦٥٠