أو لا يحقّ للوحي التدخّل فيها لمساعدة العقل على ترجيح خيارٍ على خيارٍ آخر إلى حين انكشاف الواقع للعقل بأدوات العقل نفسه ؟ وما المانع المنطقيّ في ذلك ؟
من هنا تظهر المشكلة في القضيّة الثانية من معادلة شبستري المتقدّمة ، وهي أنّ الوحي جاء ليعلّم الإنسان بما يعجز العقل عن إدراكه ؛ وذلك :
أ - من أين توصّلنا إلى هذه النتيجة ؟ وما المانع من تدخّل الوحي لجانب غير معرفي ؟ فكأنّ شبستري حصر دور الوحي بالجانب المعرفي ، وحيث وجد عجزاً عقليّاً أعطى المجال للوحي لممارسة دوره ، مع أنّ الوحي يمكن أن نتصوّر له - منطقيّاً - دوراً آخر أكثر أهميّة ، وهو عبارة عن دعم العقل وتعزيز محركيّة الإنسان نحو الفعل الحسن وإيقاظ الضمير وخلق المكوّنات النفسيّة الصالحة للسلوك من خلال منطق الترغيب والترهيب وربط الإنسان بالله تعالى وغير ذلك ، وهذه ليست معطيات معرفيّة ، بل تجامع سلطان العقل المعرفي . وأظنّ أن شبستري يوافق على هذه القضيّة .
ب - ما هو المراد من عجز العقل عن الإدراك ؟ إنّه حقاً مفهوم غير واضح ؛ فهل كشف شبكة النفس والاجتماع الإنساني مما يعجز العقل عنه أو لا ؟ إنّ الإنسان بعد آلاف السنين ما زال لا يُدرك إلا القليل عن تعقيدات الشبكة المعقّدة للنفس الإنسانيّة وللسلوك وللعلاقات الاجتماعيّة ولتأثيرات المحيط على الفرد ، فلماذا لا يُسمح للدين هنا بالتدخّل حيث إنّ العقل ما زال عاجزاً عن الكشف عن تمام زوايا هذا الأمر الشائك والمعقّد ؟ وحتى لو توصّل الإنسان إلى نتائج في هذه الميادين أو تلك ، فهل كانت نتائجه قطعيّة نهائية حاسمة وفقاً لمعطيات فلسفة العلم ؟ فلماذا هنا لا يُسمح بتطبيق مبدأ العجز عن حسم الأمور ليكون للوحي مجالٌ فيها ؟
إنّني هنا لا أتحدّث عن النصوص الدينية التي وصلتنا بقدر ما أتحدّث عن المبدأ والمعادلات التي كرّرها الشيخ شبستري في هذا المضمار ، واللافت أنّ شبستري في معالجته لقضيّة الهرمنوطيقا والفهم أقرّ - ضمناً - بالعجز عن التماهي مع الأفق التاريخي للمتكلّم ، ولعلّ إقراره هذا جاء بتأثير تلك الإشكاليّات التي سُجّلت على أنصار هرمنوطيقا التماهي هذا ، مثل شلايرماخر ، حيث قيل لهم بأنّكم جعلتم الهرمنوطيقا ذات مَنْزَعٍ نفسي سيكولوجي ؛ إذ كيف يمكن الاندماج مع ذات الناصّ بتمام مكوّناتها ؟ ! . . إنّ شبستري هنا يتواضع ويحاول اصطياد المعنى من خلال مفهوم ( القاسم المشترك الإنساني ) ، وهو مفهوم متواضع جداً في مُخرجاته على
شمول الشريعة — صفحة 648
مساهمون: حيدر حب الله
ص٦٤٨