تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 645

مساهمون:

ص٦٤٥
عصر الحداثة أوقع تصادماً بين الدين التاريخي والدين الإيماني أو العقلي ، فقبل هذا العصر كان الدين يعتاش على التاريخ ويتغذّى عليه - خاصّة وأنّ التاريخ المسيحي هو تاريخ مقدّس جدّاً ؛ لأنّه يمثل تدخّل الله في العالم ( إرسال ابنه للفداء والصليب والكفارة ) على خلاف التاريخ الإسلامي الذي لا يمثل هذا المستوى من القداسة ، بل يغلب عليه الطابع المدني - بينما بظهور مدارس النقد التاريخي التي عصفت أيضاً بالنصوص الدينيّة مع مثل اسبينوزا وغيره ، تراجع وضع الوثوق بالتاريخ عموماً ، وصار الدين غير قادر على مصاحبة التاريخ لضمان وجوده ، ممّا فكّ الارتباط بينهما ، واتجه التفكير نحو تحرير الدين من التاريخ لربطه بالإيمان والمعنى من جهة أو ربطه بالعقل نفسه من جهة أخرى ، وكلّ اللاهوت الحديث في الغرب وقع منذ القرن الثامن عشر الميلادي في سياق ثنائيّة التاريخي والعقلي في الدين ، وهو ما ظهر متجلّياً مع عمانوئيل كانط وغيره ، وفي هذه اللحظة التاريخيّة سعى شلايرماخر وأمثاله لإعادة الاعتبار للتاريخ بمقاربة أخرى تقوم على البُعد المعنوي في الدين من خلال اعتبار أنّ الحدث التاريخي ( المسيح ووقائع حياته التي انتهت بالصلب والقيامة ) يمثل المحرّك الروحي للأفراد ؛ لأنّ الأفراد يحتاجون لوقود ، والتجربة التاريخيّة الأعلى تمثل وقودهم والمؤثرات التي تخلق في دواخلهم التجربة الروحيّة ، فالتزوّد بهذا الوقود ضروريٌّ للتجربة ، ولكن ليس المطلوب هو استنساخ التجربة الروحيّة . أقول : لعلّ شبستري يرى وجه الحاجة للنبوّة في الحياة المعنويّة على هذه الطريقة ، فلا يمكننا أن نُشكل عليه بما تقدّم . لكنّ الصحيح هو أنّه كما احتاجت الحياة الروحيّة إلى وقود ، يمكن أن تحتاج الحياة العقليّة إلى وقود كذلك ، بمعنى أنّ دور النبوّات هو التدخّل في تصحيح مسارات العقل ، لكي يكون ذلك محرّكاً للإنسان بشكل صحيح ، فبدل أن ينطلق في تجربته العقليّة ليقع في مشاكل ، يضبط الوحيُ في بعض مفاصل حركته إيقاعَ العقل ، تماماً كما يضبط إيقاعَ التجربة الروحيّة حتى لا تقع في أخطاء ؛ لأنّ انطلاقها نحو التجربة الأعلى هو بنفسه تصحيحٌ لمسارها ، وإلا فستصبح كلّ التجارب الدينيّة معصومة حتى لو أفضت إلى الشرك دون التوحيد ، وهو ما يطرح سؤال معيار دينيّة التجربة ، ولولا هذا كلّه لكان بإمكان الربوبيّين أن يدّعوا بأنّ النفس الإنسانيّة ليست بحاجة لمثل هذا الوقود ، بل هي تنطلق بوازعٍ ذاتي نحو تكوين الحياة المعنويّة ، ولسنا