جديدة ، وهي قضايا تقويمية للحداثة مختلف فيها بين كبار فلاسفة العالم إلى يومنا هذا - فهل هذا يثبت أنّ النبوّات جاءت في الأصل لخصوص الحياة المعنويّة ؟ ولماذا لا تكون النبوّات قد جاءت لمختلف أبعاد الحياة ، غاية الأمر أنّه في العصور اللاحقة لا يكون خطابها إلا للجانب المعنوي لو صحّ هذا في نفسه ، ومن ثمّ فطريقة مقاربة شبستري للموضوع لم تكن دقيقة ، بل كان عليه أن يحدّد الحاجة تبعاً للعصور والمجتمعات ، لا الخروج باستنتاج عام ولا تكريس مرجعيّة الحاجة الشخصيّة ، بل وسطٌ بين ذلك .
ثمّ ألا يحقّ لنا ونحن نطالع شبستري أن نحلّل منطلقاته في سياق إرادته إعطاء دور للدين في العالم الحديث ، فقام باستنتاجٍ كلّي حكم به على الإنسان وعلاقته بالنبوّات على امتداد الخطّ الزمني ؟ يخيّل لي أنّ شبستري مثل كثيرين اعتبروا التجربة الغربية ناجحة ، وتأمّلوا في عناصر النقص فيها ، فلمّا رأوا أنّ عنصر النقص هو الحياة المعنويّة منحوا هذا العنصر للدين ، وبهذا تمكّنوا - من وجهة نظرهم - من إعطاء الدين موقعاً في حياة الإنسان المعاصر ، ولست أريد نقد هذه المقاربة ، لكن ألا تعني هذه المقاربة أنّنا نقوم بالتعميمات من خلال وضعيّات زمكانيّة خاصّة ؟
بل دعونا نذهب أبعد من ذلك ، لسؤال شبستري عن أمرين :
أوّلًا : لماذا يحتاج الإنسان للنبوّات في تشييد تجربته الروحيّة ؟ أليست التجربة الروحيّة شأناً يعيشه البشر منذ ولادتهم على الأرض في علاقتهم المتأرجحة والمختلفة الألوان بالأمر القدسي المتعالي ؟ فما الفرق بين التجربة الروحيّة والتجربة العقلية للبشر ما دامت التجارب كلّها تقع في صراط التكامل عبر التاريخ ؟ لماذا لا يكون إنسان العصر الحديث قادراً على بناء تجربته الروحيّة مع الله بعيداً عن النبوّات ؟ وبماذا يستطيع شبستري - ضمن منظومته في مقاربة قضيّة حاجات الإنسان من الدين - أن يجيب بعض أنصار المذهب الربوبي من القائلين بنفي النبوّات ، وأنّه يمكننا بناء علاقة روحيّة مع الله وأخلاقيّة مع الناس دون حاجة للنبوّات ؟ ألا يبدو كلام هؤلاء أكثر منطقيّةً من كلام شبستري وفقاً للبنيات التحتية لنظريّة شبستري نفسه ؟ ألم تقم الأديان الوضعيّة كالبوذية وغيرها بتقديم تجربة روحية عميقة للغاية للإنسان بعيداً - كما يُقال - عن مفهوم النبوّات ؟
من الممكن أن يقول شبستري هنا بشبيه ما قاله أمثال شلايرماخر من قبل ، فنحن نعرف أنّ
شمول الشريعة — صفحة 644
مساهمون: حيدر حب الله
ص٦٤٤