في ذلك ، وهذا معنى أنّ الوحي لا يتدخّل في غير ما نحتاجه فيه .
إذا أخذنا هذا التفسير لنظريّة التوقّع البشري من الدين - وهو تفسيرٌ سائد - فنحن أمام خيارين :
أ - أن نفترض أنّ الحاجة ظاهرة فرديّة ، ومن ثمّ تختلف المواقف من الدين تبعاً لاختلاف الحاجات الشخصيّة منه ، ويكون المرجع هو الوجدان الشخصي للفرد ، فربما يحتاج شخص للدين لكي يحلّ مشاكله النفسيّة والروحيّة العميقة ، كما هي حالة الإنسان في عصر الحداثة وما بعده في فردانيّته وغربته ووحشته القاتلة ، وقد يحتاجه آخر لكي ينظّم له وضعه الاجتماعي ؛ لأنّ طبيعة المجتمع المحيط به طبيعة متديّنة لا يمكن حلّ المشاكل فيها إلا من خلال نفوذ الدين . . فالحاجات الشخصيّة تختلف من شخص لآخر ومن طبيعة فرديّة لطبيعة فرديّة أخرى .
وإذا أخذنا بمفهوم الحاجة الفرديّة الشخصيّة في نظريّة التوقّع المسبق هذه ، فنحن أمام عجز عن بلورة نظريّة هنا ، بمن في ذلك شبستري نفسه ؛ لأنّ مفهوم ( الشخصيّة ) هنا يدمّر القدرة على صياغة قوانين أو مقرّرات عامّة ، ولهذا لم نجد في نظريّات التوقّع من الدين أنصاراً كثر لمثل هذا الفهم .
وإذا صحّ هذا المفهوم فلا يصحّ من شبستري ادّعاء أنّ فهمه هو الأرجح ؛ لأنّ فهمه لن يكون إلا تعبيراً عن حاجته هو للدين في لحظته الزمكانيّة ، وليس تعبيراً عن قانون ، فلعلّ شخصاً آخر يحتاج الدين في وضعيّته في غير الحياة المعنويّة .
ب - أن نفترض أنّ الحاجة هنا نوعيّة وعامّة تغطّي الإنسان في وجوده مطلقاً ، وهنا يكون المنهج المتبع هو المنهج العقلي التحليلي الفلسفي - ولو مستعيناً بمقدّمات تجربيّة وإحصائيّة وتاريخيّة - لتحديد هذه الحاجة ، وهذا ما يبدو أنّ شبستري اختاره .
وهنا تبدو مصادرة شبستري في أنّ الإنسان لا يحتاج للوحي في إدارة أموره الاجتماعيّة والسياسيّة ؛ لأنّه قادر عليها ، فكرةً غير مبرهنة في نفسها ، بصرف النظر عمّا إذا كنّا نوافق على وجود برهان يثبت حاجة الإنسان للوحي أو لا . . فهل استطاع الإنسان حلّ جميع مشاكله ؟ ! هل هذا صحيح ؟ ! وهل يمكن أن نثبت أنّه نجح دائماً ؟ وعلى تقدير أنّه نجح فعن أيّ إنسان يتكلّم شبستري : هل الإنسان على امتداد التاريخ البشري أو عن إنسان عصر الحداثة وما بعدها ؟ وعلى فرض أنّ إنسان عصر الحداثة حلّ جميع مشاكله - ولم نقل بأنّه أنتج لنفسه مشاكل
شمول الشريعة — صفحة 643
مساهمون: حيدر حب الله
ص٦٤٣