تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 640

مساهمون:

ص٦٤٠
وحيث إنّه مترقّب ، فلو أجابنا الوحيُ بالإثبات ، وأنّ عندي كلّ شيء في هذه الدائرة أو تلك أو مطلقاً ، من نوع نصوص الدرجة الثانية التي تحدّثنا عنها سابقاً ، فهنا ألا يتولّد مناخٌ جديد يحتّم عليّ ترقّب كلّ جواب لاحق يمكن أن أوجّهه للوحي مرّةً أخرى ؟ إنّ هذا معناه أنّ أحد الذين يشكّلون وعياً مسبقاً لي بطبيعة الأسئلة أو بعض الأسئلة التي أريد توجيهها للوحي نفسه هو الوحيُ بعينه ، فلو أخبرني الطبيب الحاذق بأنّ لديّ أجوبةً على أسئلتك المتعلّقة بالهندسة ، ألا يكون سؤالي له بعد ذلك حول الهندسة منطقيّاً ؟ وألا يشكّل هذا الجواب منه معطى معرفيّاً يعيد تكوين رؤيتي له ما لم يقم عندي معطى معارض ؟ نعم ، إذا لم أحصل بعد ذلك على أجوبة منه على أسئلتي كان من حقّي إعادة النظر في الخلفيّة التي أحملها عنه ، وإعراضي مجدّداً عن توجيه الأسئلة إليه في المساحة الفلانيّة . إنّ ما يقوله أنصار الشموليّة هو في حقيقته ذلك ؛ فإنّهم لما رجعوا إلى النصوص وجدوا أنّ النصوص نفسها تخبرهم عن نفسها ، وإخبار النصوص عن نفسها - فيما سمّيناه سابقاً بنصوص الدرجة الثانية - ليس أمراً خارج السياق الطبيعي للأمور ، فأخذوا بهذا الإخبار وساروا على وفقه ، ولو لم تكن النصوص قد أدّت هذه الشموليّة ، لربما ما وجدنا العلماء المسلمين مثلًا أو بعضهم يميلون إلى هذه الشموليّة . نعم ، من حقّنا مناقشة العلماء في فهمهم الشموليّة من النصوص ، لكن ليس من حقّنا أن نلومهم على تبنّيهم الشموليّة بعد فهمهم لها من النصّ . وادّعاء أنّ الشموليّة لا تُفهم أبداً من هذه النصوص ذات الدرجة الثانية إلا بعد الاعتقاد المسبق بالشموليّة ، مجرّد دعوى لا دليل عليها ، وبإمكان القارئ أن يُراجع الفصل الأوّل من هذا الكتاب ليأخذ انطباعه هنا ، فنحن وإن كنّا ناقشنا جميع الأدلة العقليّة والنقلية على الشموليّة ، إلا أنّ الذي نلاحظه أنّ استنتاج الشموليّة من النصوص لا يتوقّف بالضرورة دائماً على خلفيّةٍ شمولية مسبقة . بل لو كان الأمر على المعادلة التي قدّمها شبستري ، فكيف نعرف أنّ زيداً من الناس طبيبٌ أو فيلسوفٌ نرجع إليه في أسئلتنا الطبيّة أو الفلسفيّة ؟ فإذا لم يقدّم مسبقاً ذاتَه لنا وتجربته أمامنا لكي تعطينا انطباعاً عنه فلا يمكن تصوّره طبيباً أو فيلسوفاً أصلًا حتى نوجّه إليه أسئلتنا ، ومن ثمّ فالأسئلة المسبقة متولّدة أيضاً - فيما هي متولّدة عنه - من نطقيّات المسؤول ذاته ، وحجم اطّلاعنا على مساحات تصدّيه في قضاياه ، فلاحظ جيّداً .