ويرى شبستري أنّ هذه الوضعيّة دفعت علماء الفقه إلى تأسيس علم يمثل منهجيّة عملهم ، فتبلور ما عُرف بعد ذلك بعلم أصول الفقه ، الذي يمثل علم منطق الاستنباط الفقهي .
وباستمرار جهود الفقهاء وقدرتهم الميدانية على تقديم أجوبة على مختلف الوقائع التي كانت تواجه المسلمين على المستوى الفردي والاجتماعي ، تكرّست صوابيّة الفكرة المتقدّمة ، وهي أنّ الفقه حلال كلّ المواقف وأنّه يقدّم أجوبةً لجميع العصور والأمصار ، وصارت الرؤية الفلسفيّة الكلامية المتقدّمة الإشارة إليها راسخةً أكثر ، واكتسبت قوّةً إضافيّة ؛ إذ لم يواجه المسلمون أيّ موقف عجز الفقهاء عن تقديم جواب فيه .
لكنّ المسلمين في القرون المتأخّرة واجهوا وضعاً جديداً مختلفاً تماماً ، وهو عصر النهضة ثم التنوير وعصر الحداثة في الغرب ، وبالفعل فقد تصدّى علماء الشريعة لتقديم أجوبة عن كلّ الوقائع المستجدة التي أطلق عليها عنوان ( المسائل المستحدثة ) ، والتي كان منها المقاربات الفقهية التي قدّمت في عصر الحركة الدستوريّة مطلع القرن العشرين . . وبهذا ظهر علم الفقه العملاق الذي يغطّي آلاف المسائل التي تعكسها كتب الفقه والاستفتاءات والفتاوى والرسائل العمليّة ، فحاصل جهود الفقهاء هو هذه المسائل التي نراها اليوم في كتب الفقه العملي والاستفتاءات .
إنّ نظرةً تأمليّة لهذا الفقه تسمح لنا - عند شبستري - أن نعتبره هرمنوطيقا الهويّة الجمعيّة للمسلمين ، تماماً كما كانت هناك هرمنوطيقا الهويّة القوميّة لليهود ، في مقابل المسيحيّين الذي كانت لديهم هرمنوطيقا البشارة .
هذا كلّه كان يمكن أن يتمّ تلافيه ، لكن انتصار الثورة في إيران غيّر المعادلة تماماً ، إذ فرضت الدولة الإسلامية واقعاً جديداً رمى بآلاف القضايا العالقة أمام يديها لتقوم بحلّها في مختلف شؤون الحياة السياسيّة والاجتماعية بحملٍ أثقل بكثير من الماضي ومن مجموع مئات السنين السابقة . . إنّ أوّل شيء نلاحظه هو استعانة المقنّن الإيراني بالقوانين الوضعيّة الغربيّة ووضعها في بنوده القانونيّة ، وليس استنباطها من الكتاب والسنّة ، وهو يدرك أنّها غير موجودة فيهما ؛ وبهذا حصل تحوّل من مرجعيّة الكتاب والسنّة إلى مرجعيّة التجربة البشريّة ؛ لأنّ كلّ الإرث الفقهي السابق لم يعد قادراً على الاستجابة .
بهذا يستنتج شبستري أنّ هذه التجربة يجب أن تكون قد أقنعتنا بأنّ الخيار الصالح هو خيار
شمول الشريعة — صفحة 635
مساهمون: حيدر حب الله
ص٦٣٥