سياقها الزمكاني ، ولا تحيا لوحدها منقطعةً عن أيّ سياق .
معنى فكرة أمثال الطباطبائي أنّ القانون يتبع في كثير من الأحيان البنية التكوينيّة للأشياء ، فأنت تخفّف التكاليف عن الطفل الصغير أو ترفعها عنه ؛ لأنّ إمكاناته الطبيعيّة لا تستدعي ذلك مثلًا ، ومن هنا فسّر أمثال المطهري الاختلافات القانونية بين الرجل والمرأة في الإسلام بأنّها راجعة إلى الاختلافات التكوينيّة الجسديّة والنفسيّة بينهما ، ومن ثمّ فلوح التشريع هو انعكاس تلقائي للوح التكوين ، وبهذا تكون الطبيعة - وفقاً لطريقة تعبير أمثال الأستاذ الشيخ جوادي آملي - قرآن التكوين ، فيما يكون القرآن هو طبيعة التشريع .
هذا النمط من القراءة للفوارق القانونيّة لقضية الرجل والمرأة ولغيرها من عشرات القضايا يرفضه شبستري ، ويرى أنّه مأخوذ من أمثال جلال الدين الدواني ونصير الدين الطوسي ، ويعتبر أنّ التشريعات متناسبة مع السياقات الاجتماعيّة والزمكانيّة ، وهي تختلف باختلاف الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وغيرها ، وينقل حواراً شخصيّاً جرى بينه وبين السيد محمّد باقر الصدر ، يؤكّد فيه أنّ الصدر يعتبر أنّ الفوارق بين الرجل والمرأة ترجع لطبيعة الأوضاع المجتمعيّة ومستويات تحمّل الرجل للمسؤوليّة الاسريّة آنذاك ، فلو تغيّرت فيمكن أن تتغيّر الأحكام .
ولهذا يرى شبستري أنّ فكرة الفوارق الطبيعية والأساس الطبيعي للقانون هي التي حكمت ذهنيّة الفقهاء المسلمين وأنتجت أحكاماً مطلقة تتصل بالعلاقات الاسريّة وقضايا المرأة والرجل ، بل إنّ تصوّرات المسلمين حول نقصان المرأة - بمن فيهم بعض الفلاسفة - ساهمت في تصوّر أنّ هذه القوانين ثابتة برجوعها لأصل طبيعي تكويني ، وكرّست هذه المنظومة الفقهيّة حول المرأة .
والأكثر إثارة هو أنّ شبستري يطرح فكرته أيضاً مبنيّةً على الاعتقاد بالتطوّر التاريخي للبشر ، مستحضراً الداروينيّة التطوّرية هنا ، فالإنسان التكويني بنفسه عرضة للتطوّر تبعاً لأوضاعه ، وليس هناك ثوابت تكوينيّة في هذا السياق ، لنبني عليها قوانين دائمة « 1 » .
هامش
( 1 ) راجع نصّ الحوار مع شبستري حول التكوين والتشريع وقضايا المرأة ، مترجماً إلى اللغة العربيّة ، تحت عنوان : الفقه الإسلامي وحقوق المرأة ، رصد للمنطلقات الفلسفيّة ، مجلّة نصوص معاصرة ، العدد 6 : 11 - 18 .