تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 627

مساهمون:

ص٦٢٧
أنّ الفقه الإسلامي عنده غير قادر اليوم على توفير تلك القيم لو أريد له الحفاظ على شكله القديم ، بل لابدّ فيه من تغييرات تتناسب مع اللحظة ؛ لأنّ الفقه زمنيٌّ ولا يتعالى عن التاريخ ، ولكي نعيد صياغته اليوم وإنتاجه من جديد لا يصحّ الاعتماد على النمطيّات القديمة أو المُثل السابقة بمن في ذلك شخص الإمام علي بن أبي طالب مثلًا ؛ لأنّ تلك النمطيات أو القدوات كان تصلح لفترةٍ زمنية ، ولا تصلح الآن ؛ ليس لمشكلة فيها بنفسها ، بل لأنّ منطق الصيرورة التاريخية لا يسمح ببقاء مسلكيات أو قوانين محدّدة مستقرّة ، وكأنّ شبستري يريد أن يقول بأنّ الكائن البشري لا يستحمّ من ماء القانون مرّتين ، لكنّه يظلّ في بحيرة القيم ثابتاً . إنّ الأنبياء والأوصياء نماذج منهاجيّة ، وليست تطبيقاتهم للقيم بنفسها نماذج لنا ، وهذا ما يدفع بشخص مثل شبستري أن يصرّح بمقولةٍ حسّاسة جداً في المجتمع الشيعي ، إنّه يرى أنّ الإمام عليّ بن أبي طالب قدوة لزمانه ، فلا يمكن جعل سلوكه معياراً اليوم لمصاديق حياتنا التي نواجهها ، وإن كان نهجه قدوة لنا . وهذا ما يوضحه شبستري مراراً من أنّ اتباع النبيّ هو الأخذ بمنهجِهِ ، ومنهجُه كان وضع صيغ للعدالة تتناسب مع طبيعة الموقف الزمني ، فنحن نطيعه في المنهج وأمّا تطبيقه المنهج فهو تطبيق زمني خاصّ به ، فالنبيّ تأسّى ولاحظ عرف زمانه ، والتأسّي بالنبي يعني صنع القوانين العادلة بملاحظة عُرف زماننا ، لا عرف وزمان غيرنا ، ولو كان زمانَ شخص النبيّ ؛ إذ العدالة تكتسب تعريفها في كلّ زمان بحسب ذلك الزمان « 1 » . ولأنّ الفقه لم يمارس هذا الدور وجدنا مشكلة الشكلانية فيه ، وانطلاق مشروع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السلطانيّ ، لكي يقولبا الناس في قالب واحد ، وممارسة استنساخ دائم للبشر عبر كلّ التواريخ ، وبهذا ضحّينا بالهدف إخلاصاً للطريق « 2 » ، ونحرنا
هامش
( 1 ) تعرّض شبستري لمفهوم العدالة وتعريفاتها المتعدّدة الزمكانيّة وقضيّة عدالة الأنبياء والأئمّة ، في مواضع متعدّدة من كتبه ، خاصّة كتابه في نقد القراءة الرسميّة للدين ، ويمكن بهذا الصدد مراجعة حواره مع الشيخ محسن كديور ، والمنشور مترجماً إلى العربيّة في مجلّة الحياة الطيبة ، العدد التاسع ، عام 2002 م ، تحت عنوان : حوار في دائرة النقد . ( 2 ) لعلّه يصحّ القول بأنّ أحد أشهر الموائز بين منهجيّة العرفاء والمتصوّفة ومنهجيّة الفقهاء والمحدّثين ، هو أنّ المنهجيّة الفقهية تُخلص كثيراً للطرق والأساليب التي توصل للهدف ؛ ربما لأنّها لا تثق بالوصول من دونها ، بينما تركّز المنهجية الروحيّة على الهدف ، وتعتبر أنّ الغرق في الطريق يغيّب عنّا الهدف عمليّاً ، ولهذا فهي لا ترى مانعاً من تنوّع الطرق .