بمعنى أنّ تحوّلات الحياة المعاصرة لم تفرض تصادماً مع الفقه العبادي والمعاملي إلا في نطاقٍ محدود ، وقد رأينا كيف أنّ الفقهاء تصدّوا لفكفكة التصادمات القائمة في القضايا المستحدثة وأخذوا يعيدون النظر في مثل الموسيقى وأضاحي الحجّ ونجاسة غير المسلم والتلقيح الصناعي وأزمات العلاقات الزوجيّة عبر فكرة الشرط الضمني وغير ذلك ، وبهذا نلاحظ أنّ طبيعة التحوّل لم تفرض الكثير من الأمور على الفقه ، بل تجاوب معها ، ولهذا تجد أنّ النظريّات الفقهية تنسجم مع أغلب القوانين المدنيّة المعاصرة ، لكنّ المشكلة كانت في السياسات ، حيث ضحّى الفقه هناك بعقلانيّته ؛ لأنّ الحياة تغيّرت وهو بقي كما هو ، فرغم أنّ التشريعات في قسم السياسات كانت عقلانيّةً ، لكنّ تطوّر الحياة وتغيّر الوضع الخارجي فرض تغيّراً في القانون الأمر الذي لم يقم به الفقهاء أبداً ، فلم يعد يفكّر الفقيه بنظامه الجزائي والجنائي في قدرته على الحدّ من الجريمة ، بل وقف عند صورته الحرفيّة التي جاءت في النصوص ، حتى لو لم تعد تقدر هذه الصورة على الحدّ من الجريمة ، وصار يلزمنا وسائل أخر لأجل ذلك ، كما نسي الفقيه أنّ الهدف من الأنظمة السياسيّة إقامة العدل ، فوقف عند الصيغة القديمة المتناسبة مع العصور السابقة ، متناسياً أنّ العصر الحاضر لن تتحقق فيه العدالة إلا بالحدّ من تمركز السلطة والدخول في مسار ديمقراطي . . وبهذا لم تعد الفتاوى والنصوص - بهذه الطريقة في قراءتها - قادرة على الإجابة عن أسئلة عصرنا أو تحقيق المصالح العقلائية للمسلمين اليوم .
هذا المقدار من التحليل لم يكفِ شبستري لتحقيق ما يريد ، بل دفعه للمزيد من التعمّق في تحليل النصوص والمواقف في صدر الاسلام ، فاستحضر نصوص السياسات - بنحو الأمثلة - لكي يقدّم قراءة مختلفة لها ، فعقوبة القتل في القرآن ليست لوضع نظام قانوني جنائي ، بل للحدّ من الظلم الذي كان سائداً بين القبائل ، فلكي يوقف قتل عشرة في مقابل واحد ، حدّد الأمر ؛ لتحقيق العدالة في زمانه ، ولكي يوقف الفتن بين القبائل والعوائل نتيجة قضايا أخلاقيّة حسّاسة تتعلّق بالأعراض ، فرض تحريم القذف وشدّد من وسائل إثبات جريمة الزنا ، حفظاً لماء وجه الأسر والقبائل ، ولهذا نجد في نصوص القصاص دعوة للعفو والرحمة ، مما يشي بالبعد الأخلاقي في القضيّة ، فلم يرد النصّ وضع نظام قتل النفس بالنفس ، بل أراد الحدّ من ظلم ذلك الزمان بقتل العشرة بالواحد وهكذا . وهذا ما يذكّرنا بما طرحه العديد من المفكّرين في
شمول الشريعة — صفحة 624
مساهمون: حيدر حب الله
ص٦٢٤