تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 625

مساهمون:

ص٦٢٥
العالم العربي ، مثل نصر حامد أبو زيد ، في حركة التقنين الشرعي في الإسلام الأوّل ، ولعلّ الأمر بين مثل أبو زيد وشبستري من باب التداعي الذهني والتخاطر ضمن سياقات فكريّة واحدة . عبر هذا الطريق نفهم - من وجهة نظر شبستري - أنّ هذه التشريعات ( السياسات ) لم يعد لها موضوع في عصرنا ، ومن ثم فلم تعيّن الشريعة لنا شيئاً هنا ، الأمر الذي يدخل كلّ هذه القضايا في منطقة الفراغ ، لكنّ الشيء الذي نفهمه من مجموع نصوص السياسات هو المسار الذي تحرّكنا نحوه ومن خلاله ، فهو بؤرة المعنى ولبّ اللبّ ، وهو العدالة والرحمة والحدّ من الظلم ، وهذا هو معنى التفسير التاريخي لنصوص السياسات ، بل إنّ هذا الأمر عند شبستري لا يقف هنا ، بل يرى أنّ تدخّل الدين في قضايا الأسرة وغيرها لم يكن بصدد تأسيس شيء ، بل بصدد الحدّ من بعض الظلم والمفاسد وبعض معيقات المعنويّة التوحيديّة ، ومن ثمّ فسكوت النص الديني عن شيء - مثل الرقيّة - لا يعني أنّه يوافقها ، كما أنّ شبستري يهتمّ كثيراً للقراءة الفقهيّة للمرأة فيعتبرها متناسبة مع ذلك الزمان - لا مع هذا الزمان - وكانت تتجه آنذاك نحو تحقيق العدل ، وعلينا أخذ روح هذا التوجّه لسنّ قوانين تتعلّق بالمرأة اليوم . من هنا ، ينطلق شبستري لتأكيد فكرته في الديمقراطية وإعادة تكوين الحياة السياسيّة ، ومرجعيّة لوائح حقوق الإنسان المعاصرة ، وأنّ علينا في كلّ أبواب الأوامر والنواهي في الكتاب والسنّة أن نسير بطريقة عقلائيّة تتناسب مع عصرنا ، وهذه هي التاريخانيّة التي يطرحها شبستري ، والتي تؤكّد على أنّه ليس المهم أن آخذ النصوص بحرفيّتها ، بل المهم أن أعرف ماذا كانت تتضمّن في ذلك الزمان ، وماذا كان يفهمها سياقيّاً أبناء ذلك العصر ، لا فقط كيف كانوا يفهمونها لغويّاً ، فقتل واحد بواحد تفهم سياقياً آنذاك على أنّه يراد الحدّ من الإسراف في القتل ، لا أنّه يراد تأسيس نظام جنائي ، ولهذا نحن بحاجة لترجمة زمانيّة وثقافية هنا ، وبهذا يظهر منهجان في الاجتهاد في النصوص الشرعيّة ، يشتركان في كوننا مخاطبين بالنصوص ويختلفان في مضمون الخطاب بين : صيغة القانون ، وروح القانون وقيمته ، وبين المولويّة الحرفيّة والخطاب الإرشادي ( المرشد ) للخيارات العقلانية الأسلم زمكانيّاً ، وهذه هي نظريّة الخطاب عند شبستري باختصار شديد ، حيث كان دائماً شديدَ التأمّل في معنى مخاطبة الله لعبيده ، وهويّة هذا الخطاب .