وعليه ، يمكن أن نفهم تفسير شبستري للنصوص الدينيّة في مختلف المجالات البشريّة التي تنظّم العلاقات الاجتماعيّة والسياسيّة . إنّه يضعها ضمن الآتي :
أ - التعديل ، فالإسلام عنده لم يأت إلى أرضٍ خالية من القوانين والأعراف ، وإنّما جاء إلى بلاد لها قوانينها وأعرافها التي كانت متداولة في مجال العلاقات الاجتماعية والأسريّة والقضاء والحرب والسلم والتصرّف بالأموال ، ولم يقم الإسلام بتأسيس قانون جديد للحياة ، والذي فعله أنّه حذف أو غيّر أو عدّل من تلك الأعراف والقوانين ما رآه منافياً للسلوك التوحيدي ولكرامة الإنسان ، وهذا ما يعني أو يبدأ يدلّنا على أنّ تدخّل الإسلام في المجال القانوني لم يكن لبناء نظام حياة بالمعنى المتداول اليوم ، وإنّما حالة استثنائية للحدّ مما ينافي القيم التوحيديّة من أعراف وقوانين .
ب - التمييز بين القوانين والقيم ، بمعنى أنّ القيم هي الثوابت التي أرادتها عمليّات التعديل المتقدّمة ، أمّا القوانين فلا تتسم بالثبات ، بل هي قرابين وأضاحٍ لتلك القيم ، قد تتغيّر وتتبدّل ، وهذا هو معنى عرضيّتها عنده ( قابليّة التغير والصيرورة الدائمة لا الهامشية ) ، فالقانون الصالح هو ذلك القانون الذي يمكن في ظلّه قيامة القيم وتحقّق السلوك التوحيدي ، وأمّا القانون غير الصالح فهو ذلك القانون الذي يقف سدّاً مانعاً في لحظة زمنيّةٍ ما عن نهضة القيم المشار إليها ، فالثابت هو القيم والمتغيّر هو القانون .
ج - وينتج عن التمييز المشار إليه بين الثابت والمتغيّر حصيلة بالغة الأهميّة ، وهي أنّ وفاء القوانين بالأغراض والقيم ليس أمراً ثابتاً بدوره ، بل هو في نفسه متغيّر ، ومعنى ذلك أنّ مجموعةً قانونية ما قد تكون في زمنٍ ما مناخاً مساعداً وبيئةً حاضنة لنهوض القيم وتوفّرها ، لكنّ هذه المجموعة بعينها قد تغدو في لحظةٍ تاريخيّة أخرى معيقاً لحلول هذه القيم ومانعاً .
ووفقاً للمنطق أعلاه ، لابدّ من تغيّر هذه القوانين في اللحظة الثانية لتفي القوانين بأغراضها ، وإلا فإنّ بقاءها سيكون منافياً لقيم الإسلام ، فالتغيّر هنا وفاء بالثابت في الدين لا خرقاً للثوابت ، وخطأ الفقهاء المسلمين كان في فكّهم هذا الارتباط بين القيم والقوانين ، فظنّوا القوانين أمراً ثابتاً أصليّاً كالقيم .
د - ولو حاولنا تطبيق الصورة أعلاه على المشهد المعاصر من وجهة نظر شبستري ، سنجد
شمول الشريعة — صفحة 626
مساهمون: حيدر حب الله
ص٦٢٦