واسعة ومركزيّة ، فالهمّ الذي يحمله المسلم هو التسليم والطاعة ، والفقه يقدّم له ما يلزمه أن يطيع فيه ، فكأنّ طبيعة التجربة الإيمانية التسليميّة للمسلمين الأوائل فرضت الفقه سلطاناً برأي شبستري ، على خلاف التجربة الدينيّة البروتستانتيّة التي لم تقم على مفهوم الطاعة ، بل قامت على الإيمان والمحبة والأمل ، لتجعل العمل من نتائج التجربة الإيمانيّة لا من المقوّمات .
ولو نظرنا في مسيرة علم الفقه عند المسلمين ، لرأينا - وفقاً لرأي شبستري - تقسيماً ثلاثيّاً : عبادات ، ومعاملات ( عقود إيقاعات ) ، وسياسات ( قضاء ، حدود ، قصاص ، ديات ، والحُكم و . . ) ، وعندما نلاحظ هذه الثلاثة في التجربة النبويّة والإسلاميّة الأولى ، لا نجد للأسراريّة أيّ حضور ، فالعبادات كلّها معلومة كالخضوع في الصلاة ، والتغلّب على الشهوات في الصوم ، والإحسان للغير في سبيل الله في الزكاة وغير ذلك ، ولم يكن ينظر المسلمون الأوائل إليها على أنّها أسرار ، وأمّا كيفياتها التفصيليّة فكانت أمراً طبيعيّاً كي تنتظم الأمور ، تماماً كما في طقوس أيّ ملّة من الملل ، وإذا كان هذا أمرُ العبادات فغيرها أوضح ، وبهذا يتخطّى شبستري ما طرحه أمثال السيد فضل الله والشيخ شمس الدين من إمكانات كشف الملاكات في غير باب العبادات ، مكرّساً مفهوم أنّ المسلمين الأوائل تلقّوا سلسلة التشريعات الدينيّة على أنّها إنسانيّة وليست متعالية .
بل نحن نلاحظ أنّ تاريخ الفقه كان يقوم دوماً على العقلائيّة العملانيّة ، فيضع نفسه في سياق أهداف معيّنة لتحقيق هذه الأهداف ، تماماً كما لاحظنا عيّنةً من هذا النوع في نظريّة المقاصد التي سار عليها مختلف المسلمين ولو لم يذكروها بهذه الطريقة التي ذكرها الشاطبي وغيره ، ولهذا نحن نجد أنّ الفقهاء دائماً يتحرّكون في الإفتاء بقانون عدم نقض المصالح العقلائيّة ، ويجمّدون الفتاوى عند حصول هذا النقض .
هذه المقدّمة ضروريّة عند شبستري ، وأعتقد بأنّه تحدّث فيها لكي يخلع ثوب الأسراريّة عن الشريعة ، حتى يتمكّن من التعامل معها عقلانيّاً .
إذا كان هذا هو حال تاريخ الفقه ، فما هي مآلاته اليوم ؟ هذا السؤال أصوليٌ ويفرض تحدّياً على الاجتهاد الديني ؛ نظراً لتعقيدات التنمية والتطوّر البشريّين .
يلاحظ شبستري أنّ الفقه حافظ بدرجة عالية على عقلانيّته في العبادات والمعاملات ،
شمول الشريعة — صفحة 623
مساهمون: حيدر حب الله
ص٦٢٣