ج - لغة الدين وهويّة الفهم
لم يكن شبستري - في أكثر كتبه ، خاصّة في هرمنوطيقا الكتاب والسنّة - بعيداً عن تطوّر الدرس الهرمنوطيقي في الغرب ، بل قراءته للدين والنصّ تقع في قلب هذا الفهم وتستقي الكثير من عناصرها منه ، ليس بدايةً مع شلايرماخر ولا نهايةً مع غادامير ، فالهرمنوطيقا في الغرب مصطلح تبدو أوّل الإشارات له بوصفه علماً مستقلًا مع دان هاور ، في كتابٍ له عام 1654 م ، حمل عنوان ( الهرمنوطيقا القدسية أو منهج تفسير النصوص المقدّسة ) ، وقد اضطربت تعريفاتهم لهذا العلم حتى قيل : إنها بلغت الثمانية ، من أشهرها تعريف جان مارتن كلادنيوس ( 1759 م ) وأنّه فنّ فهم الكلام المقول والمكتوب فهماً كاملًا على أساس قواعد تشبه المنطق ، وتعريف فردريك أغوست وولف ( 1824 م ) : العلم بالقواعد التي تساعدنا على معرفة معنى العلائم . ولعلّ وولف من أوائل من أسّس هذا العلم على أساس الفهم التاريخي المحيط بالمتكلّم ، ثم جاء فردريك شلايرماخر ليؤمن بعُرضة ظاهرة تفسير النص للاشتباه والالتباس ، ويؤسّس لقواعد ممنهجة ترفع سوء التفسير هذا .
ولكنّ الهرمنوطيقا لم تبق على حالها علماً يضع مناهج فهم النصّ شبه ما فعله المسلمون من قبل في التفسير والحديث والفقه وأصوله ، لا سيما الأخير ، بل أخذ منحى مختلفاً ، بالأخص بعد مجيء ديلتاي ( 1911 م ) حينما صيّره علماً يتكفّل تقديم منهج معرفي ( فهمي ) للإنسانيات عموماً ، لا لمجرّد فهم النص ، وذلك بهدف تقنين العلوم الإنسانية على غرار ما كان حاصلًا في العلوم التجربية ، لإعادة الاعتبار للإنسانيّات في مقابل التيارات الوضعيّة ، وتطوّر الوضع مع هايدغر ( 1976 م ) وغادامير ( 2002 م ) ، وبول ريكور ( 2005 م ) ، وريتشارد بالمر ، حينما غدت عملية الفهم - بوصفها ظاهرة معرفيّة - موضوعاً للدرس الهرمنوطيقي وظهر ما وصف بعد ذلك بالهرمنوطيقا الفلسفية ، التي تهيمن اليوم على الثقافة الغربيّة .
وبهذا مرّت الهرمنوطيقا بمراحل ثلاث - إذا صحّ التعبير - إحداها الهرمنوطيقا الخاصّة ، التي سبقت شلايرماخر ، وهدفت لوضع مناهج لتفسير النص الديني خاصّة ، معتقدةً أحياناً بوجود مناهج مختلفة لفهم كل نصّ ، فالنص الديني ذو منهج في الفهم والتأويل متمايز عن النص التاريخي أو العلمي . وثانيتها : الهرمنوطيقا العامة التي وحّدت مناهج دراسة النص