تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 602

مساهمون:

ص٦٠٢
الذاتية ، بصورته التي نعرفها له عبر التاريخ ، لكنّهما لم يصيبا في قراءته في واقعه المجتمعي - التاريخي ، فالملتزمون بالشريعة عادةً ما كانوا عبر التاريخ يتجهون بسلوكٍ قربي إلى الله ، يولده فيهم الالتزامُ الفقهي ومتابعة الفقهاء ، خاصّة وأنّ الفقه لا يغيب أبداً عن مفهوم المستحبّات والمكروهات ، والتي يقترب الكثير منها من باب الفضائل القلبيّة الأخلاقيّة المسمّاة عند الغزالي بعلم الآخرة أو علم المعاملة الأخرويّ . بل إنّ الغزالي نفسه عندما اعتبر أنّ علم الآخرة هو علم فرض عين لا فرض كفاية ، إنّما قدّم علم الآخرة بمقاربة فقهيّة ، ومن ثمّ فمن دفعه للانتصار هو اجتهاده الفقهي ، فالفقه نفسه هو الذي أثبت له علم الآخرة بنحو فرض العين ، فكيف يكون الفقه في ذاته وهويّته خالياً من علم الآخرة ؟ ! ألا يُفترض بالغزالي هنا أن يغيّر صورة القضيّة من أن تكون محاكمةً للفقه إلى أن تكون محاكمة لبعض الاجتهادات والمدارس الفقهيّة التي لم تتوصّل إلى إدراج علم الآخرة ضمن الفرائض التي يُكلّف بها العباد ، ومن ثمّ يكون الخلاف ( داخل - فقهي ) وليس ( خارج - فقهي ) ؟ ! وبهذا يتبيّن أن سروش عندما عاتب الكاشاني في قراءته العلم عبر ثنائيّة الحقّ والباطل في ذاته ، وطالبه بقراءته في واقعه التاريخي الإنساني ، لم يقم بالشيء عينه عندما أراد الحكم على علم الفقه ، فقد قرأه بذاته ولم يقرأه بوجوده التاريخي البشري وتأثيراته الإنسانيّة ! التعليق الثالث : إنّ الكاشاني هو الآخر فَهِمَ كلامَ الغزالي بطريقة خاطئة ، وأخذ مقطعاً من كلامه دون أن ينظر في سائر كلماته في الإحياء وغيره ، وقد رأينا سابقاً كيف أنّ الغزالي كان يربط الفقه بالآخرة ربطاً أداتيّاً ، ولا يفصله عنه ، لكنّه لم يكن يعتقد بكفايته أو باستبداده في خلق الإنسان الصالح الإلهيّ ، بل كان يدعو لموضعته بشكل صحيح دون مبالغة أو تبخيس . التعليق الرابع : إنّ مقاربة الكاشاني لسبب وقوع الغزالي في الخطأ هنا ليست دقيقة ، وذلك : أ - لا علاقة لموضوع الولاية الإلهيّة ( الإمامة الشيعيّة ) والولاية السلطانيّة بقدرات الفقه على إنتاج القرب والبعد والصلاح والفساد ، بل لم أفهم لماذا أقحم الكاشاني هذه القضيّة هنا ؟ وهل كان الغزالي يدافع عن سلوك السلاطين بجعله سلوكهم مصدراً فقهيّاً ؟ ! بل على العكس من ذلك وجدنا الغزالي في نصوصه السابقة يؤكّد أنّ الفقيه هو الذي يوجّه السلطان في القانون ، تماماً كما الفقه والشريعة يوجّهان الإمام في إدارة الناس عند الشيعة ، فما وجه الربط بين قضيّة
شمول الشريعة — صفحة 602 | حيدر حب الله