علم الفقه ، فهو أقدم العلوم وأهمّها ، وقد ورد عن أهل البيت عليهم السّلام أنّه ثلث القرآن ، فكيف لا يكون من علم الآخرة ما هذا شأنه ، فكأنّ أبا حامد لم يفرّق بين الخلافة النبويّة الحقّة التي يُعتبر فيها رعاية قلوب الرعيّة من الإمام الداعي وإصلاحها ، وبين السلطنة المتغلّبة الجائرة التي لا يعتبر فيها ذلك ، فصار ذلك منشأ خطائه ، وبالجملة يجب على كلّ مكلَّف أن يحصّل من علم الفقه ما يحتاج إليه بنفسه بفرض العين وما يحتاج إليه غيره بفرض الكفاية سواء فيه العبادات والمعاملات من غير فرق ، وأمّا فقهاء العامّة فليس يصلح فقههم أن يعدّ من العلم ، حتّى يقال : إنّه من علوم الدنيا أو الآخرة ؛ لأنّه مخلوط ببدع وجهالات وأهواء مخترعة مضلّات ، كما سنشير إلى بعضها في مواضعه إن شاء الله . . وممّا يدلّ على شرف علم الفقه وشدّة الاهتمام به ما روّيناه من طريق الخاصّة بإسنادنا الصحيح عن معاوية بن وهب ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام ، يقول : « إنّ آية الكذّاب بأن يخبرك خبر السماء والأرض والمشرق والمغرب ، فإذا سألته عن حرام الله تعالى وحلاله لم يكن عنده شيء » . . » « 1 » .
يُستخلص من هذا النصّ :
أوّلًا : إنّ الفقه من علوم الآخرة ؛ نظراً لخاصية التقريب والتبعيد فيه من جهة ، وانطلاقاً من مستوى حثّ النصوص عليه واهتمام الدين به من جهة ثانية .
ثانياً : إنّ سبب خطأ الغزالي هو خلطه بين الولاية الإلهيّة والولاية السلطانيّة الجائرة .
ثالثاً : إنّ الفقه الموصوف ليس هو فقه الجمهور وأهل السنّة ؛ لأنّه غير صحيح ، بل لا يليق أن يُصنّف علماً ، بل هو فقه الإماميّة المأخوذ من أهل البيت النبويّ .
ووسط هذا الخلاف بين الغزالي والكاشاني ، ينتصر سروش لنظريّة الغزالي ويعارض مقاربة الكاشاني للفقه ، انطلاقاً من العناصر الآتية :
1 - إنّ اعتبار علوم أهل السنّة خارجة عن إطار العلم هو عمليّة محاكمة غير صحيحة ؛ لأنّ العلم لا يكون علماً بالصواب والخطأ الذي فيه ، ولا بالبعد الأخلاقي وغير الأخلاقي الذي فيه ، وسبب هذا الخلل هو الخلط بين العلم بوصفه القضايا المطابقة للواقع ، وبين مجموعة القضايا المنتظمة والممنهجة التي تدور حول موضوع واحد ولها هويّة تاريخيّة ، وإذا لم يكن علم
هامش
( 1 ) الكاشاني ، المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء 1 : 59 - 60 .